//Put this in the section
راجح الخوري

مليارات لدولة الفساد؟ – راجح الخوري – النهار

كل هذا التراب السياسي العفن لن يكفي في النهاية لطمر جثة لبنان، الذي قتلوه بالفساد والنهب والسمسرة والإستتباع ويريدون تحميل القتيل مسؤولية جريمة القتل المتمادية حتى هذه اللحظة. لم يكن على المصارف الوقوع في إغراء الفوائد لدفع فواتير عصابة النهب السياسية صحيح، لكن المصارف لم تقتل البلد. دولة السرقة قتلته! رغم هذا لم يتوقف المسؤولون لحظة عند موجبات كلمة الإصلاح التي يعلكونها دائماً لأنها تطال مصالحهم في المحاصصات والتعيينات والنهب المتوحش للمال العام، الذي طالما أوغلوا فيه عميقاً، ولهذا عندما قال لهم سفير “موتمر سيدر” بيار دوكين “انتم بلد غير قابل للإصلاح” لم يسمعوا، وعندما قال لهم رئيس “تاسك فورس” إدوارد غبريال “لا يمكن تنظيف البيت بالممسحة الوسخة”، لم ولن يسمعوا لأن معظمهم هم هذه الممسحة الوسخة!

ها هو الناطق باسم صندوق النقد الدولي جيري رايس يقول للمسؤولين يوم السبت الماضي، بعد عشر جلسات من مسلسل محادثات “داينستي” مع خبراء الصندوق، “إن التحديات التي تواجه لبنان تتسم بدرجة عالية من التعقيد، ومتداخلة وسوف تقتضي معالجتها إعداد التشخيص الصحيح، وإجراء إصلاحات شاملة والمثابرة على تنفيذها، وان هذا يستدعي الإرتكاز على شعور الحكومة بملكيتها لبرنامجها الاقتصادي ودعمه من الطيف السياسي ومن المجتمع المدني في لبنان”، الذي تحاول الدولة شيطنته وإتهامه بالتخريب!




جاء ذلك عشية التظاهرات الشعبية الأخيرة ضد الجوع والعوز والفساد، والتي كان هناك من يسعى الى دفعها نحو متاريس الفتنة والحرب الأهلية مجدداً، ورغم ان رايس اعلن ان خبراء صندوق النقد يعتقدون ان تقديرات الخسائر المبينة في خطة الإصلاح الحكومية تمثل الحجم “التقريبي” في ظل الإفتراضات المعروضة، بما يعني ضمناً ان الدولة تحاول تحميل القطاع الخاص مسؤولية ديونها وتفليسها للبلد، فإن الخلاصة التي قدمها يفترض ان تغرق المسؤولين السياسيين في الخجل. ولكن من العبث الحديث عن وجود نية جدية عندهم لإجراء أي عملية إصلاحية، ويبقى المطلوب في نظره ان هناك مجال كبير لتعزيز درجة الشفافية والمساءلة في السياسات الاقتصادية وكيانات القطاع العام في لبنان، وسيكون هذا مطلباً بالغ الأهمية من أجل إستعادة الثقة والتأكد من إصلاح القطاعات التي تحقق الخسائر، وفي هذا السياق فإن بالوع مؤسسة الكهرباء مثلاً مستمر بقوة في مراكمة الديون بلا توقف!

ليس الدليل ان هذا القطاع كبد البلد ٥٢ ملياراً من الدولارات أي ٦٠٪ من الدين العام فحسب، بل ان العودة مثلاً الى موضوع سلعاتا شكّل نقضاً إستدارياً لقرار مجلس الوزراء، وهذا لم يكن خافياً طبعاً على خبراء الصندوق الذين يراقبون بدقة المسالك الاقتصادية لدولة على شفير الإنهيار وتطلب المساعدة وتمضي في سياسة المنفعية! من الأمور التي لن يفهمها هؤلاء الخبراء، ما تردد عن ان الحكومة التي تحار كيف تؤمن مبلغ مئة دولار للعائلات الأشد فقراء، لم تتوانَ عن ان تقرر صرف ٦٠ مليون دولار لإصلاح مكيفات الهواء في قصر “الأونيسكو” ترطيباً للأفكار النيّرة للسادة النواب، الذي قد يجتمعون وقد لا يجتمعون فيه، بعدما هجروا البرلمان وجعلوه قلعة محصنّة، تحاشياً لمواجهة غضب الناس، وكل هذا يكفي دليلاً على ان الحديث عن الإصلاح في لبنان مجرد خرافة. ولعل قرار الدولة تحميل القطاع الخاص مسؤولية إفلاس البلد هو تماماً مثل ذلك التراب لن ينجح في طمر الجثة، على الأقل لأن الدول المانحة تعرف جيداً انها لن تدفن المليارات في أرض الفساد الممتاز!