//Put this in the section

من يتحمّل مسؤولية التشرذم على الساحة السنية؟

غادة حلاوي – نداء الوطن

قبل أيام تجاوز لبنان قطوعاً أمنياً كبيراً كاد يشعل فتيلاً لنزاع مذهبي سني شيعي لم يشهده البلد من قبل. اكتشف الطرفان أن ساحتيهما مخترقتان بغوغائيين باتوا يتحكمون بالشارع باحثين عن فتنة تشوّه تلك العلاقة الوجدانية بينهما. واذا كان للشيعة القدرة على لجم شارعهم بقوة حضور الثنائي الشيعي فإن ما ظهر على الساحة السنية لا يبشر بالخير، وقد تبين ان هذه الساحة تحوّلت ساحات يحاول أفرقاء عدة تقاسمها لكل منهم غاياته من دون المبررات. المسألة هنا لم تعد محصورة بغياب شخص بعينه او قيادة او تيار بل في غياب مرجعية عربية، وسعودية على وجه التحديد.




شكّل غياب المملكة العربية السعودية فرصة لحضور الدور التركي مع أدواته السياسية والمالية ولو من دون مسوّغ شعبي. يحاول التركي اللعب على وتر ضعف الحريري والتسلل الى الساحة اللبنانية ولا سيما الشمالية منها في ظل حضور محلي يتمثل باللواء اشرف ريفي ووكيل سياسي بالوراثة هو بهاء الحريري. لكن التقييم الموضوعي لدخول الأخير المتكرر بالشكل والمضمون أثبت ضعف الرجل وانعدام أهليته للقيادة السياسية، لا سيما في تجربة اليومين الماضيين.

في الشارع السني تململ وضياع، وشعور بغياب القيادة والمشروع والسند السعودي. واقع لم يعد القفز فوقه ممكناً فمن يتحمل مسؤوليته؟

يقول أحد وجهاء السنّة من السياسيين “ما من شك ان ضعف القيادة السياسية خلال السنوات الاخيرة أوصل الأوضاع إلى حدها الاقصى والسبب هو الغياب الكلي عن نبض الشارع والهوة التي اتسعت بين القيادات والناس مما اتاح لقوى أخرى اختراق هذا الشارع، فضلاً عن الواقع الاجتماعي المتروك لمواجهة قدره وسط الصعوبات المالية والاقتصادية التي يعانيها الناس”. ومن الأسباب الداخلية ينتقل الى الاسباب الخارجية والتي تتمثل في غياب الدور السعودي الذي له أسبابه ومبرراته “وهي الاعتراض على عدم التزام القيادة السنية بالتعهدات التي اتسمت بمرحلة ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهو ما بدأ يظهر بوضوح من خلال التسوية الرئاسية التي أدت الى ضعف المرجعية السنية” لكن هذه التسوية انتهت مفاعيلها على الارض وصار طرفاها متباعدين الى حد الخصومة فهل هذا يفتح الطريق مجدداً امام عودة الدور السعودي؟ الأمر هنا أقرب الى “لوح زجاج انكسر وتصعب إعادة لملمته من جديد والمسألة لم تعد غلطة وتراجعنا عنها”.

لكن في المقابل، النتيجة كانت حضور تركيا بقوة وتمركزها في الشمال بدليل ما تفيد به التقارير الأمنية. مستجد يأسف أحد المقربين إلى المملكة لحصوله على حساب الدور السعودي ولكن بحسبه فإن الاختراق ليس محصوراً بالأتراك بل إن الساحة السنية باتت مفتوحة على أكثر من اختراق أمني وسياسي وهذا مرده الى ضعف سيطرة القيادة السنية على شارعها.

وحين يتحدث الأقطاب السنة عن ضعف القيادة يقصدون حصراً “تيار المستقبل” ورئيسه الذي يمثل الشرعية السنية الوحيدة. خطأ الحريري أنه وعد بعد الانتخابات بتصحيح المسار ولم يفعل ثم وعد بعد خروجه من السلطة بالالتفات الى تصحيح شؤون تياره ووضع السنة، وتخلف عن الفعل وحتى وعده بمواجهة خصومه تناساه.

يجزم هؤلاء أن لبنان حالياً ليس في دائرة الاهتمام السعودي “بسبب سيطرة حزب الله وايران” ولكن هل يبرر مثل هذا الامر ترك الطائفة لقدرها من اجل معاقبة نظام؟ سؤال مشروع “لكن الحقيقة تقول إنّ الناس الفقراء عادة ما يدفعون ثمن ضعف القيادة وهذا هو واقع السنّة اليوم”.

لكن في المقابل، يسأل بعض الشخصيات السنية هل من الضروري انتظار تدخل الغير والبناء على دوره؟ ولماذا لا نبادر الى تصحيح المسار كي نثبت حسن قيادتنا في سبيل استعادة الثقة؟

المشكلة أن معظم القيادات السنية باتت فاقدة لفاعليتها على الأرض بسبب بعدها عن قواعدها، فيما مشكلة رئيس الحكومة حسان دياب “عزلته وانطواؤه على نفسه ولم يوحِ بمصداقية أدائه بعد بعيداً من “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” بدليل عجزه في محطات كثيرة عن تحقيق المطلوب” في الحكومة.

ثمة من يوافق على أن الوجدان السني غير ممثل في الحكومة لكن ليس لأن طرفاً داخلياً أو خارجياً منعه بل “لأن خيارات الحريري هي ما تسبب في ذلك”. من بين خصوم الحريري وحتى حلفائه من يوافق على “غياب السنة عن القرار ويغالبهم الشعور بالمظلومية، ولكنه ظلم بلا ظالم ذلك لأنّ “حزب الله” بقي متمسكاً بالحريري حتى ما قبل الاستشارات بساعات قليلة: هل انت بوارد تشكيل حكومة جديدة؟ ليكون جوابه الرفض والاصرار على الاستقالة. ذنب الحريري أنه دخل في صراع بين استمراره في السلطة والخروج منها فاختار الخروج في سبيل الحفاظ على المرجعية. “لو لم يستقل الحريري” هي الأمنية التي يتحسّر الحلفاء والخصوم عليها ممن يسلّمون بأن لا بديل عن سعد الحريري داخل الطائفة السنية رغم محاولات بعض الشخصيات التوسط لتبوؤ المنصب وحسرة آخرين على رفض عرض قدم إليهم في لحظة ما. بعد هدوء عاصفة اليومين الماضيين ثبت للثنائي الشيعي كما لرئيس “الحزب الاشتراكي” وليد جنبلاط وليس بعيداً منهم رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل أن لا بديل عن الحريري على الساحة السنية “ولكن مشكلته غياب المشروع وتسليمه بأن يكون واحداً بين متساويين ضمن رؤساء الحكومة السابقين بينما هو زعيم سني ورئيس أكبر تكتل نيابي سني”. سجنوه في هذا الاطار وبينهم من يتوسل لرئاسة الحكومة سبيلاً في الخفاء. خلاصة القول ان لا احد بمقدوره لملمة الساحة السنية اليوم وجمعها إلا الحريري ولكن هل يقوم بهذا الدور وسط غياب الغطاء العربي السعودي على وجه الخصوص؟ المطلوب من الحريري مراجعة نقدية وليس الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين والشكوى من المظلومية. فرصيد رفيق الحريري ورصيده الشخصي بإمكانهما أن يسعفاه. يقول مناصروه.