//Put this in the section

جنبلاط يوازن خطواته السياسية خشية السقوط

تقرأ أوساط سياسية لبنانية التحركات الأخيرة التي قام بها الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في سياق الهواجس من إعادة تكرار سيناريو 2008 حينما استباح حزب الله مناطق في بيروت وجبل لبنان، وكادت تلك الغزوة تهدد وضع الجبل والطائفة الدرزية.

ولا تخلو تلك التحركات، وفق الأوساط، من اعتبارات سياسية في علاقة بمساعي جنبلاط لاستعادة دوره الذي خفت، نتيجة التغيرات التي عصفت بالساحة اللبنانية في الأشهر الأخيرة وأفرزت سيطرة تحالف الثامن من آذار بقيادة حزب الله على السلطة بالكامل.




وعقد جنبلاط مساء الأحد اجتماعا في كلمنصو مع رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، وذلك عقب زيارة وصفت بالمفاجئة إلى عين التينة، مقر الرئاسة الثانية، حيث التقى برئيس مجلس النواب نبيه بري.

وتأتي التحركات على خلفية مواجهات جدت السبت وكادت تفجر فتنة بين شباب حراك 17 أكتوبر وعناصر تنتمي إلى حزب الله وحركة أمل رفعت شعارات لم تخل من طائفية من قبيل “شيعة، شيعة” و“لبيك يا حسين”، في وجه متظاهرين رفعوا لافتات تطالب بنزع سلاح الحزب، وتحدث نشطاء عن قيام العناصر “المعتدية” على ساحة الشهداء بالتعرض لزوجة النبي محمد السيدة عائشة.

وقال جنبلاط عقب اجتماعه بالحريري “أمام ما يجري إما على المرء أن يستسلم أو يتردد أو يتابع”، وأضاف “إننا لن نستسلم ولن نتردد وسنتابع وبالحوار بالرغم من فداحة وقساوة الظروف خاصة الاقتصادية والمالية”.

وفيما بدا دعوة ضمنية لتوحيد الرؤى بين شقي المعارضة والسلطة قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي “نأمل ونتأمل بأن نواجه المؤسسات الدولية بكل صلابة من أجل أن نخرج بشيء من النتائج، آخذين بعين الاعتبار ثغرات كثيرة، لكن لا بد من الاتصال بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما لا بد من تحسين الظروف الداخلية فهي معقدة جدا”.

وكان الزعيم الدرزي أوضح على إثر لقائه ببري أن “بين ما جرى السبت في وسط بيروت وما حصل في الانتفاضة الأولى، فرقا كبيرا”، وتابع “ما حصل في وسط المدينة، ليس هو المشهد الذي رأيناه في السابع عشر من أكتوبر من العام 2019، لكن علينا أن نستمر، ومع الرئيس بري دائما نكتسب منه القوة في الاستمرار في الحوار، في الصلابة لمواجهة المستقبل”.

وبدا واضحا أن الزعيم الدرزي يسعى للنأي بنفسه عن أي تصعيد ذي بعد طائفي، لوعيه بهشاشة الوضع في الجبل، ولاسيما في ظل إدراكه بأن نوايا الإطاحة بزعامته الروحية والسياسية على دروز لبنان لا تزال قائمة.

ولعل الحادثة التي جدت قبل أيام في بلدة الفوارة من الشوف والتي أبدى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي حرصا على احتوائها من خلال الإيعاز لابنه تيمور جنبلاط بالتحرك للتهدئة، تصب في إطار مخاوف الزعيم الدرزي.

وقال تيمور جنبلاط خلال لقاء جرى في كنيسة بلدة الفوارة بحضور مسؤولين من حزب القوات اللبنانية “إن التجارب الأليمة علمتنا أن لا بديل لنا من وحدتنا وعيشنا المشترك، ومع تأكيدنا أن ما حصل في الفوارة هو إشكال فردي مدان، فإننا نصر على أن يأخذ القانون والقضاء مجراهما، ولن يكون هناك غطاء لأي متورط”.

وشدد رئيس كتلة اللقاء الديمقراطي “يكفي المواطنين ما يعانونه من أزمات معيشية وصحية واقتصادية، لذلك سنواصل العمل المشترك بالتعاون مع الجميع لكي يبقى الجبل معقل المصالحة والعيش الواحد، ولنتكاتف جميعنا لمساعدة الناس بالحد الأدنى الممكن، لكي يتمسكوا بالأرض والعمل فيها”.

ويقول مراقبون إن جنبلاط الذي يعي دقة وضعه السياسي يحاول الإمساك بالعصا من المنتصف، فهو يسعى من جهة للحفاظ على “شعرة معاوية” مع حزب الله عبر رئيس حركة أمل نبيه بري، ومن جهة أخرى يظهر انفتاحا على قوى المعارضة، حريصا على عدم وضع “بيضه” في سلة واحدة.

ويرجح المراقبون أن يكون هذا توجه جنبلاط خلال المرحلة المقبلة لاسيما في ظل ضبابية المشهد اللبناني، وأيضا غموض التعاطي الدولي ولاسيما الأميركي الذي أظهر توجها صارما مع العهد الجديد الذي يتحكم في مفاصله حزب الله، لكن في الآن ذاته لا يزال يفضل ترك الباب مواربا، وهو ما عبرت عنه بشكل واضح السفيرة الأميركية لدى بيروت دوروثي شيا في حوارها الإعلامي الأخير مع قناة “أو.تي.في” التابعة للتيار الوطني الحر.

ويعيش لبنان منذ تفجر حراك 17 أكتوبر وضعا غير مسبوق نجح خلاله حزب الله وحلفاؤه في تجييره لفائدتهم من خلال السيطرة على مقاليد السلطة الممثلة في الرئاسات الثلاث، وسط انتقادات من قبل البعض لتيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي بإخلاء الساحة أمام هذا الحلف.

ولئن تبدو السلطة الحالية مهزوزة نتيجة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي الضاغطين، بيد أن جنبلاط لا يريد المجازفة في اتخاذ مواقف حدية ضدها، في انتظار اتضاح مآلات الأمور داخليا وخارجيا.

العرب