//Put this in the section

”ما خَلُّونا” – رشيد درباس – النهار

سقَطَت في الوحولِ كلُّ الفصاحاتِ…

نزار قباني




فوقَ مدارجِ “حالات” الغابرة كمَنَتْ لحوَّامتِه غيمةٌ غادرة، فتفجَّرَتْ به واحتفرَتْ له قبرًا في السماء كما قال العميد ريمون إده؛ لا لأمرٍ إلّا لأنَّه آمن بوحْدَةِ الوطن وأصرَّ على تخطّي المعوِّقات واستنقاذ الكيان بالإرادة الصلبة والرؤية النقية. بالأمسِ مرَّت ذكرى استشهاده؛ واليوم، في ظلِّ انهيار الدولة، أستأذن رشيد كرامي رجلَ الدولةِ، بأن أرفعَ هذه السطورَ إليه في مقامه الخالد، فأشكو له، ولشهدائنا كلِّهم، ما آلت إليه أحوالنا.

وبعد… لا يستطيع مسؤولٌ أن يبرِّرَ فشلَه المستدام بأن يُنْحي باللائمةِ على جهةٍ أخرى “لا تُخلِّيه”. لأنَّ التخلية، وإن عَنَتْ لُغَةً تركَ المرء في حال سبيله، فهي في القاموس السياسي تنطوي على نزوع استبدادي وادِّعاء تغلبُ عليه الخرافة، إذ لا يكفي أن يزعُمَ أيٌّ منّا أنه من سلالة زرقاء اليمامة، يرى ما لا يراه عباد الله، وأن مغامراتِه “المحسوبةَ” ستَحْفظُ السيادةَ وتُنْتِجُ النور، وتملأ السدود، وتنقِّي الهواء، وتستخرج النفط، وتشحن أجهزتنا التنفسية بالغاز اللطيف؛ وأنَّ “الآخرين”، أبناءَ فُسْطاطِ الشَّرِّ، منعوهُ ومنعوا الناسَ من التنعُّمِ بمواهبه الرؤيوية. فالمشاريع الوطنية والسياسية لا تقومُ على النيَّات مهما حَسُنَتْ، ولا على الأقوالِ مهما ركَّتْ أو تَناهَتْ في الفصاحةِ، ولا على احتكارِ الخير مهما بُولِغَ فيه، بل لا بدَّ لها من مستلزمات واقعية وظروف داخلية وخارجية تؤمِّن لها مناخًا مؤاتيًا يجعلُها قابلةً للتنفيذ. فإذا تحقَّقَ هذا المناخُ، أو بعضُه، ولم تُصْبِحِ الرغباتُ أفعالًا قائمةً على أرضِ الواقع، فإنَّما لأنَّها في أصلِها أشبهُ بنَزَقِ المراهقين الذين كثيرًا ما يخجلون من سذاجتِهم متى تقدمت بهم السن، فإنْ هم كابروا على الخجل كانت الخيبةُ الشخصية مصيبةً لهم، والخيبةُ الوطنيةُ كارثةً على الناس.

ولا يستطيعُ أيُّ فريق سياسي أن يُسَوِّغَ لنفسِه مشروعيةً ما، إذا كان برنامجه مقتصرًا على الوصول إلى الحكم لامتطاء صهوته والعبث بلجامه يمينًا ويسارًا، وإقبالاً وإدباراً، والخَوْضِ في الوَعْرِ، والولوغِ في الرمال المتحركة، وتعكير موارد الوطن، بل تجفيفها، وحَرْقِ أخْضَرِه، والانزلاقِ إلى التحالفاتِ ذاتِ النتائج الافتراضية، والخروجِ من حاضنةٍ آمنة للدخول في مدار مضطرب.

وعلى سيرةِ “ما خلّونا”، يَتَذَكَّرُ اللبنانيون أنَّ جِهَةً بعينِها استطاعت منذ لقاء مار مخايل أن توقفَ كلَّ شيءٍ في مسار الدولةِ سنينَ طوالًا، وأن تعبثَ بمواقيت الاستحقاقات الدستورية، حتى دَخَلَتْ عالم الرجم بالغيب، وخضعت لسياسة عضِّ الأصابع، ففقدت التعابير السياسية دلالاتها، وضاعت الأهداف الوطنية في غابةٍ من المفردات المبهمة، وصار الخطاب قناعًا للإمساك بالسلطة كهدف لا كوسيلة، وهذا جعلَ الدولة بين اعتلال واختلالٍ، فحَقَّ للسوادِ الأعظمِ من اللبنانيين أن يجهَروا في وجوه هؤلاء المعطِّلين بالقول: “إنتو ما خلَّيتونا”، لأنكم لم تسمحوا بالمحافظة على الانتظام الدستوري والاتزان القانوني والاستقرار الاقتصادي؛ ولأنكم أحبطتم نتائج انتخابات العام 2009، وسيطرتم على الدولة بعملية قيصريَّة دمَّرَتِ النمو وأعدَمَت الاقتصاد وبدَّدَت مدَّخَرات المواطنين كما لم يحدث من قبلُ في تاريخ لبنان، حتى انتهينا إلى الوقوع ما بين مطرقة الحاكمين “القياصرة” وسندان “قانون قيصر”.

ويتذكَّرُ اللبنانيون أيضًا أنه، عندما تصدعت جبهة 14 آذار، وتنافس اثنانِ من أركانِها على مركز الريادة في ترشيح العماد عون للرئاسة التي أحرزها بأكثرية مسيحية وشيعية وسنية وقبول درزي، راح كل فريق يُمَنِّي النفس بمكاسبه وأحلامه، متعلِّلًا بأنَّ الرئاسةَ ما آلت إلى الرئيس لولاه. وأسرفَتِ الدعايةُ المتوهّمة فتحدَّثَتْ عن طيِّ صفحة الخلاف المسيحي المسيحي إلى الأبد، وعن تجديد معادلة بشارة الخوري ورياض الصلح. فصدَّقَ بعضهم أنه شريك وازن في الحصة المسيحية، وتمادى بعضهم في رشِّ السُّكَّرِ فوق الموت، وتخصص آخرون بتدبيج بيانات الوفاق التام بين الرئاستين الأولى والثالثة، من غير أن ننسى سماسرة الظل الذين اشتركوا في إعداد الطبخة بسرِّيَّةٍ تامة على حرارة من كهرباء البواخر، وتعاملوا مع الاستحقاق الرئاسي كمقاولة من مقاولاتهم التي لا حدَّ لشراهتها.

أمّا الخلافُ المسيحيُّ فما لبث أن تفاقم واستشرى. وأما معادلة الميثاق فمزَّقتْها رسالةُ عَشِيَّةِ الفطر، حتى لَيصحُّ القولُ: إن كل من جرُّوا أذيالَ خيباتهم لم يتمتَّعوا بالبصيرة ولا الحنكة المفترضة، إذ أهملوا أمرين اثنين:

الأول: أن سَعْيَ التيّار الوطنيّ الحُرّ إلى السلطة والانفراد بها قضيَّةٌ معروفةٌ عنه ثابتةٌ لديه، ولها تاريخٌ عريقٌ مليء بالشواهد الدامغة.

الثاني: أن حلف مار مخايل هو القائد الفعلي للتسوية السياسية الملفقة؛ وأن اتفاق معراب وعشاء بيت الوسط ليسا سوى مشهدين ثانويين ظَهَرا على خشبة المسرح في فترة الاستراحة ما بين فصول المسرحية الجدية؛ وأن ميزان القوى العسكري والسياسي هو الذي حدد نتيجة التسويات التي أسفرت في النهاية عن ملكية الرقبة، لصاحب الرقبة، وحق التمتع لأهل الاستمتاع، والعزلة للآخرين بعد أن نفدَت الحاجة إليهم.

ومهما يكنْ من أمرٍ، فإنَّ الفريق الذي أحرز السلطة تأهَّلَ منفردًا للالتفاف على حركة الاحتجاج الشعبية التي استهدفَتْه بالدرجة الأولى، فراح يحصد نتائجَها خلافًا لمقاصدها، بإلقاء القبض على الدولة كلها بلا شريك، تحت ستار مكشوف اسمه حكومة التكنوقراط. أخرج قليلاً عن السياق بل أبقى فعلاً فيه إذ أشير إلى أن حوادث السبت الماضي نقلت الهوية الوطنية إلى هوية مذهبية قاتلة على رأي أمين معلوف، فانتقل الهم المعيشي الـمُوحِّد للصفوف إلى شجار تاريخي حول سبي “السيدة زينب” وقذف “السيدة عائشة”، رضي الله عنهما، كما أن الحراك الشعبي الذي ملأ أرض لبنان وسماءه وأوقع الوجل في قلب السياسة المبتذلة، ووجه رسائل واضحة إلى العناوين الواضحة، بأقل قدر من الكلام والشعارات ، فقد في السادس من السادس عنوانه ومحل إقامته وتزاحمت شعاراته بدل ازدحام الأرجل، وأفسح في نسيجه مساحات لثغراته الاختراق.

بعد هذا هل يسوغ إذًا لفتى الجمهورية الممسِكِ بتلابيبِ “العهدِ القويّ”، أو لأيِّ فتى آخر، أن يذرف دمعة ويقول “ما خلُّونا”؟؟؟ لقد “خَلّوهم وكتَّروا” حتى تخلَّوا عن مصالحهم ومواقعهم. وهذه الأسطوانة الرتيبة المشروخة التي ما زالت تدورُ تحت إبرة صَدِئَة، وتردِّدُ على المسامع ليلَ نهار: “على دلعونا على دلعونا… بَدْنا نِشْتِغِلْ بَسْ ما خلّونا”، لم تعد تُصْدِرُ إلا النشازَ الذي من أمثلته نغمات “الثلاثين سنة من التبعات” و”الفساد السياسي” و”الفساد القضائي” و”وضع العصي في دواليب الإصلاح”. والأغربُ أنَّ الحَبْلَ أُرْخِيَ على الغارب فباتت الواو (ضميرُ الغائب المتَّصِلُ في “ما خلّونا”)، تشملُ الخصومَ والحلفاءَ على السّواء.

يقولُ المتنبي من قصيدةٍ جميلةٍ جدًّا:”بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقِلُ”. لهذا ينبغي للشَّعْبِ، كلِّ الشّعب، كي لا يُتَّهَمَ بالجَهْلِ، أن يعترف بأنَّ مقولةَ “ما خلُّونا” سَقَطَتْ بعدما آلت المقاليد بقضِّها وقضيضِها إلى من يدَّعي استحقاقها، فتمَّ إنجاز أمور كثيرة، منها على سبيل المثال:

1- أن الكهرباءَ لم تعُدْ تيّارًا فَحَسْب، بل صارت “سلعةً” جَذْرُها “سلعاتا”، فلا تُطْلَبُ إلّا هناك، تمامًا كمعاني الألفاظ في القواميس لا يُعْثَرُ عليها إلا في مواقع جذورِها.

2- أنَّ الليرة اللبنانية أصبحت صكًّا تاريخيًّاً، تتكاثر ملايينها وتضمحل مضامينها.

3- أنْ ليس لأبناء السابلة ورعاعِ القوم حقٌّ في العفوِ العام، فإنَّه وكالةٌ حصريَّةٌ ووسيلة موقوفةٌ على النُّخَبِ وحدهم دون سواهم، لتطهير صفحاتِهم من أسبقيّاتِهم.

4- أنَّ من يسيطر على الكورونا يستطيع السيطرة على صندوق النقد الدولي، الذي إذا تمرَّدَ ركَلناه بعيدًا وذهبنا إلى اقتصاد مشرقي “باهر الازدهار”.

5- أنَّ شعار الـ 24/24 الخالد سيتحقَّق قريبًا باعتماد الشموع حتى تنفد منها الأسواق.

6- أنَّ سلامةَ القضاء هي في تشجيع إنشاء جُزُرٍ قضائية عشوائية، وفي تعليق التشكيلات حتى انتهاءِ “القاضية” من القضاء على الفساد.

7- أن الاستراتيجية الدفاعية وإعلان بعبدا والنأي بالنفس صارت كلُّها أوراقًا لبَلِّها وشُرْبِ زومِها الناضحِ بالحبرِ “المغشوش”.

8- أنَّ الوطنية السَّمْحةَ لم تعدْ إلّا قصائدَ رثاءٍ على قبر محسن ابراهيم ورجال زمنِه، رفاقاً وخصوماً، وأنَّ الطائفيَّةَ البغيضةَ سيَّدةَ العواطفِ والحناجر، توشِكُ أن توقعَ الوطنَ في فتنة دامية.

من طريف التاريخ القريب، ما كتبه الصحافي السوري قدري قلعجي من أنه، عندما حصل انقلاب العام 1949 في سوريا بترتيب أميركي، جاء رئيس الأركان إلى قائد الانقلاب حسني الزعيم وأدّى له التحية وقال: “سيّدي، لقد أصبحَتْ سوريا كلُّها تحت سيطرتِك”. فأجفل الزعيم وأجاب بعفوية: “الله يخرب بيتك، شو بدي إعمل بهالمصيبة”.