//Put this in the section

الأيدي الخفية! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

قد يبدو العنوان متوقعاً وبديهياً وقديماً ومستخدماً، إلا أن ما أقصده يختلف عما توقعتموه. في خلال الأحداث الكبرى الأخيرة التي احتلت عناوين العالم الإخبارية، ظهرت قوى وأيد «خفية» تلعب دوراً ضخماً رغم عدم ظهورها في الأخبار نفسها. سأحاول تفسير المقصود. في جريمة مقتل الأميركي من أصول أفريقية، جورج فلويد، على أيدي الشرطة، والمظاهرات الاحتجاجية العارمة التي عمّت البلاد بعده، كان البطل المجهول والحاضر الغائب والجندي المجهول هو ستيف جوبز مخترع الهاتف الذكي، وهو الجهاز الأهم اليوم، الذي أصبح أقوى سلاح لقضايا الرأي العام في العالم، يحولها وفي لحظات وبطريقة عابرة للحدود لتصبح شأناً دولياً.

هناك فارق جوهري بين الحوادث والحوادث المسجلة؛ لأن الأخيرة تقدم أدلة بالغة برؤى العين وإدراك السمع، وتصبح بطريقة لا شعورية وسيلة ضغط على الدول والقضاء فيها. واليوم، وبسبب «فيلم» صور على هاتف ذكي باتت قضية مقتل جورج فلويد قضية سياسية وقانونية وحقوقية بشكل عريض وشعبي، قد يتسبب في إعادة هيكلة للعديد من الأنظمة والمعايير المتبعة. والسبب في ذلك كاميرا الهاتف الجوال التي باتت أكبر أداة تمكين لنصرة المعتدى عليه في العالم اليوم.




لم تكن هذه الحالة الوحيدة التي شوهدت فيها آثار «الأيدي الخفية». فما يحصل من سياسات «مالية» و«اقتصادية» لمواجهة تداعيات الظروف القاسية نتيجة تفشي جائحة «كوفيد – 19» وتبعاتها، أمر يستحق التمعن والنظر إليه بعمق. هناك حالة من الثقة والطمأنينة انتابت معظم الدول التي قدمت حزم دعم مالية قياسية لدعم وإنقاذ اقتصاداتها من الانهيار الكامل.

فظاهرياً، كان من الواضح أن قرار إغلاق الأسواق والاقتصاد والسفر والتنقل قرار قاسٍ ومؤلم، بل من الممكن وصفه بالمدمر، وكان من المتوقع والبديهي اللجوء إلى الوصفة المجربة التي تم اعتمادها في الأزمة المالية الكبرى في عام 2008، لكن هذا كان سيفجّر تضخماً مهولاً يزيد ويضاعف من فداحة المشكلة ويعمق من أضرارها، وبالتالي من الواضح أن هناك «دروساً» تم استيعابها من التجربة الماضية ومنع تكرارها اليوم.

في الأزمة السابقة تمكن البنك الفيدرالي الأميركي من ضخ كميات مهولة من الدولارات مع الإبقاء على معدلات تضخم معقولة، وكان الأمر يعود إلى النجاح في تمكين أيدي الدولة المركزية من السيطرة والتحكم على مصير الشركات والقطاعات الأساسية في الاقتصاد الأميركي، وبالتالي جعلها قادرة على مراقبة درجات الإنفاق في هذه الشركات، وبعد ذلك تم وضع خطة موجهة لإنقاذ الشركات الكبيرة والناجحة التي تعثرت جراء الأزمة، وترك الشركات الفاشلة إلى مصيرها المستحق والطبيعي، وأخيراً استغلال التقنية الحديثة لمتابعة أنشطة الاقتصاد عن طريق منصات إلكترونية مخصصة يتم فيها البيع والشراء والسداد. هذه الإجراءات ساهمت بشكل رئيسي وعميق في حصول تقليص هائل في حجم التداول النقدي، وبالتالي مكّنت النقد الإضافي المهول الذي تم ضخه في الاقتصاد يمر بشكل «سحري» و«خفي» بعيداً عن أضرار مختلفة للاقتصاد أولها التضخم، وهذا الأسلوب تم اتباعه في الدول كافة التي ضخت وطبعت أموالاً مهولة كحزم مالية لمواجهة الخطر الاقتصادي.

اليوم، هناك سيطرة حكومية شبه كاملة على المال المتداول، فهو وبشكل كبير محصور في منصات رقمية مع الاندثار والتقلص التدريجي في الاستخدام للعملة الورقية، ومع هذه السيطرة النوعية للمال ظهرت «اليد الخفية» التي تسيطر على التضخم وتمنع حصوله.

تعلمنا الأحداث باستمرار أن ما نراه أمامنا ليس بالضرورة هو تفاصيل القصة كافة، فهناك عناصر أخرى لا تقل أهمية إن لم تكن أهم. ابحث دائماً عن التفاصيل حتى تكتمل الصورة.