//Put this in the section

”حزب الله” مأزوم داخلياً على إيقاع الشارع… تخوين الانتفاضة يأخذ البلد إلى الفوضى المذهبية

ابراهيم حيدر – النهار

أياً تكن الأسباب التي أخذت الشارع في بيروت الى صراع مذهبي أو ما اعتبره البعض إيقاظاً للفتنة، فإن ذلك ليس له علاقة بالإنتفاضة الشعبية بل هو من صنع قوى في البلد تستطيع استنفار العصبيات واطلاق الغرائز عند كل منعطف كبير. فالانتفاضة التي حاولت تجديد ثورتها واستعادة بعض النبض، تعرضت لضغوط وسط مناخات تهويلية لمنع الاستقطاب والحشد. وقد كان واضحاً التناغم بين الثنائي الشيعي خصوصاً “حزب الله” الذي صوّب على كلام أطلقه البعض عن سلاحه فيما القسم الأكبر من المشاركين لم يرفع شعار نزع سلاح الحزب، وبين السلطة السياسية التي روجت أن هناك مندسين سيثيرون أعمال شغب في ساحة الشهداء، ثم ممارسة ضغوط على مستوى سياسي واطلاق اتهامات بالعمالة والخيانة لكل من يشارك في التظاهرة، حتى أن بعض المجموعات اليسارية وكذلك الحزب الشيوعي شيطنا التظاهرة واتهماها بأنها تُدرج ضمن الضغوط الأميركية ضد سلاح “حزب الله”. وبذلك نجحت السلطة وقوى الوصاية من ورائها في إحداث انقسام بين مجموعات الانتفاضة، لكن من دون أن تتمكن من منع الناس من النزول الى ساحة الشهداء على رغم كل الأجواء “الحربية”.




تحولت شوارع بيروت إلى مواجهات قامت على شحن طائفي ومذهبي، فظهر السلاح مجدداً وكأنه للقول ان وظيفته يمكن استحضارها داخلياً في اي وقت، على رغم أن المرجعيات الدينية الشيعية والسنية دعت الى مواجهة الفتنة ودفنها، فإذا بها تخرج عند كل منعطف بسبب التعبئة المذهبية المستمرة خوفاً من تغييرات قد تحدث وتهز الهيمنة على الجمهور وعلى البلد. لكن الهاجس الاول كان عند السلطة والحكومة وقوى وصاية الممانعة تفكيك الانتفاضة ومنع التواصل والتفاعل بين مكوناتها بعدما كان “حزب الله”، ومعه التيار العوني، نجح في وقت سابق، اي قبل أن يستعر فيروس كورونا، في حرف بعض مجموعات الانتفاضة عن مسارها وتوظيفها لأهداف محددة. وهذا الأمر ينطبق على بعض القوى الأخرى في 14 اذار التي حاولت أن توظف الانتفاضة أيضاً في شوارعها لتحقيق مكاسب سياسية في صراعها مع المحور الآخر. وما حصل بعد تظاهرة 6 حزيران من شوارع متقابلة كان معداً سلفاً، وفق مصدر سياسي مواكب، فالحزب لا يريد أن تتجدد انتفاضة اللبنانيين ضد الحكومة التي يقرر فيها مع العهد، ليس بسبب رفع البعض مطلب تطبيق القرار 1559 ولا نزع سلاح الحزب، إذ هو تعامل مع هذا الموضوع على مدار سنوات طويلة، بل لمنع استعادة نبض الانتفاضة لما لها إذا استعادت وهجها وزخمها مستقلة ومتحررة من كل وصاية، أن تنعكس على جمهوره الذي يعيش حال ارباك معه بسبب الوضع المعيشي والازمة المالية، وأزمته مع البيئات الأخرى ومع قسم كبير من اللبنانيين حول سلاحه، وكذلك عدم قدرته على التفلت الحاصل والفوضى في المناطق التي له فيها الكلمة الفصل.

ما حصل في ذروة الدعوة إلى التظاهر، لا يبرئ الاصطفافات الطائفية الاخرى، فكلها تصب في وجهة منع عودة النبض الى انتفاضة اللبنانيين، فإذا تمكن “حزب الله” من احداث شرخ بين مجموعاتها، فذلك دليل على انه لا يريدها أن تتحول رئة تنفس للبنانيين ضد الجوع والفساد ومحاصصات السلطة الحاكمة. لكن الانقسامات التي تشوب القوى والمجموعات التي تشكل الانتفاضة لا تعني وفق السياسي المتابع أنه لا يمكن تجاوزها، إذ إن الجميع يعرف ان انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 لم تخرج بقرار، فنزل جيل جديد الى الشارع رفضاً للولاءات وصوّب ضد سلطة الفساد ورفع شعار “كلن يعني كلن” قبل أن تدخل قوى الحكم على الخط وتوظف ما أمكن على الأرض وتجيّر مجموعات لمصلحتها، فكانت معركة “حزب الله” مثلاً مع المصارف ومصرف لبنان، وهو استطاع أخيراً أن يجر قوى سياسية معارضة ومجموعات شكلت رافداً اساسيا للانتفاضة الى سياسته بحجة الدفاع عن سلاح المقاومة. لذا فالانتفاضة المطالَبة بصوغ رؤية تواجه تحديات الانقسام والضغوط، مدعوة أيضاً وفق السياسي الى الحفاظ على التعدد الذي ميّزها واستقلاليتها بعيداً من استغلال نضالها وتجييره لمصالح فئات ضيقة، وهو ما يدفع الناس الى الابتعاد عن الشارع، إما خوفاً من تهديدات السلطة التي تعمل على إثارة الشقاق بين المكونات، وإما رفضاً للاصطفافات التي تحمل شعارات تشتت الساحات وتحرفها عن مسارها الأصلي.

تبقى الانتفاضة الشعبية ضرورة لبنانية، ولا يمكن الركون الى ما تفعله السلطة وقوى الوصاية من تنفيذ أجندات لا تشكل حلاً لمعضلات البلد. فقوة الانتفاضة وفق السياسي أن تستمر برفع شعارات متنوعة وواقعية منعاً للالتباس والتوظيف، من الازمة الاقتصادية والمالية والسرقة والفساد ونهب الأموال، إلى المسألة السياسية والهيمنة على الدولة ومؤسساتها، وليس حجرها وحصر شعاراتها بالازمة المعيشية والجوع الذي يدق أبواب اللبنانيين، فالانهيار يرتبط بمسؤولية القوى الحاكمة عن إفلاس البلد، تماماً كما أن الفساد ليس مسألة تقنية ولا قضية أفراد بل هو مسار سياسي واقتصادي يقوم على النهب وله بنيته وقواه التي تستفيد على حساب أكثرية اللبنانيين.

محاولات الانقضاض على الانتفاضة لها أهدافها، إما أن تبقى مجرد حالة اعتراض على الوضع المعيشي أو استخدامها ورقة في الصراع بين أهل السلطة. وغير ذلك لا يسمح للبنانيين بأن يثوروا على السلطة. وهذا ما حصل قبل تظاهرة 6 حزيران وما تلاها من استنفار مذهبي وطائفي وتحريك مناطق خطوط التماس القديمة. ووفق السياسي، لم يكن موضوع سلاح “حزب الله” على جدول أعمال التظاهرة، فيما مطلب الانتخابات المبكرة لا اجماع عليه، لكن المفاجأة كانت بظهور دعوات مدفوعة من قوى تريد توظيف شعار سحب السلاح لشد عصبها، فشكَّل ذلك حجة لهجوم قوى أخرى على الانتفاضة ونعتها بالعمالة، كما شكَّل منفذا لخروج مجموعات تبين أنها تابعة لقوى الممانعة.

كل ما حصل يؤشر الى ان قوى السلطة الحالية مأزومة داخلياً كما هي محاصرة خارجياً. فـ”حزب الله” يريد أن تبقى الامور تحت هيمنته، ليس على مستوى السلطة فحسب، بل في الشارع، فيما امتداده في البيئات الطائفية الاخرى يضعف يوماً بعد يوم. أما الانتفاضة فمآلها أن تتجسد قوة للتغيير وألا تهادن السلطة وقواها وأن تستعيد نبضها الذي ميزها في 17 تشرين، وأن تستمد عصبها من الحركة الشعبية في مواجهة الواقع الراهن…