//Put this in the section

تودُّد باسيل لأميركا ثابت فهل تبادله إيّاه؟

سركيس نعوم – النهار

لن نبدأ بالجواب عن سؤال طرحه “الموقف هذا النهار” يوم السبت الماضي هو: هل دخلت حكومة الدكتور حسّان دياب مأزقاً وجوديّاً؟ بل ربّما نختمه به ولا سيّما بعدما لوّح بعض وسائل الإعلام المكتوبة قبل يومين أنّها في مأزقٍ كالمُشار إليه، وذلك بالإشارة إلى أنّ الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري عائد إلى السرايا. بل سنبدأه بالجواب عن السؤال الآخر والأخير في نهايته وهو: كيف ستُحلّ مشكلة التعيينات الماليّة؟ ولا بُدّ قبل ذلك من الإشارة إلى أنّ المعلومات والمُعطيات التي سيتضمّنها قد لا تكون مكتملة رغم التأكّد من صحّة ما يُنشر منها اليوم، ولذلك فإنّني أُرحّب بأي إضافة تلافياً لوضع ملامة في غير محلّها على “الموقف” وكاتبه من قبل مسؤولين يستسهلون اللوم على نشر خبر اعتبروه كاذباً ولم يُصحّحوه، ربّما خوفاً من “الهجمة” الكبيرة التي تعرّضوا لها رغم أنها في رأيي لم تكن في محلّها على الإطلاق.




في هذا المجال تفيد الجهات السياسيّة المُطّلعة جدّاً والجديّة جدّاً نفسها أنّ رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون اقترح في مجلس وزراء، بعدما رُفض التمديد للنائب السُنّي لحاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري لأسباب تمّ شرحها، أن يُعيَّن الأخير رئيساً للجنة الرقابة على المصارف ويتمّ في الوقت نفسه اختيار أعضائها بعد انتهاء ولايتها. والجميع يعرفون أنّ هذا الموقع المالي أكثر أهميّة من النيابة الثانية للحاكم. وقد يكون دافعه إلى الاقتراح عدم رغبته في زيادة “عداء” الولايات المتّحدة للحكومة التي تعتبرها حكومة “حزب الله” أو بالأحرى تتمتّع بتأييده وتدين له ولحلفائه بالوجود، ولا سيّما بعدما تمّ رفض اقتراح سفيرتها إبقاء بعاصيري في موقعه. وكان تعليق عدد من الوزراء على ذلك ومنهم رئيس “التيّار الوطني الحر” الذي أسّسه عون أن واشنطن قد لا تقبل ذلك رغم أهميّة الموقع الجديد المُقترح لإرضائها. وهنا استعاد بعض هؤلاء محضر الاجتماع أو ربّما الاجتماعات التي عقدها الأخير مع السفيرة الأميركيّة شيا للتأكّد من إمكان قبول الاقتراح الجديد. وطبعاً اختلفت الآراء لأن الاقتراح كان ابن ساعته وتالياً لم يُبحث فيه معها. لكن أحداً من هؤلاء لم يرَ مانعاً عمليّاً لتبنّيه، وأُرجئ بتّه كما سائر التعيينات الماليّة إلى جلسة لاحقة ربّما يكون موعدها الأسبوع المقبل.

في هذا المجال تشير المصادر نفسها إلى أمر مُهمّ في هذه المرحلة هو محاولة النائب جبران باسيل بموافقة عمّه ومؤسّس “التيّار” الذي “صار” له بموافقته، ومنذ مدّة لا بأس بطولها استرضاء الولايات المتّحدة أو على الأقل ترطيب علاقته الجافّة معها من زمان بعد انضوائه و”التيّار” ومؤسّسه ثمّ رئيس الدولة عون في محور المقاومة والممانعة الذي تعتبره هي محوراً إرهابيّاً. وقد وظّف لهذه الغاية جهود أصدقاء له كثيرين في واشنطن أيّام كان وفريقه ضد هذا المحور، وأيّام عمل مع النافذين فيها على تنوّع انتماءاتهم الدينيّة والإقليميّة لمواجهة سوريا الركن البارز في حينه في هذا المحور. لكنّه لم ينجح في ذلك حتّى الآن على الأقل. ومن العوامل التي أفشلته تبنّيه سياسة “المحور” تجاه حلفاء أميركا من العرب، وفي مقدّمهم دول الخليج وأولاها المملكة العربيّة السعوديّة ثمّ دولة الإمارات العربيّة المتّحدة وغيرهما، علماً أنّها مُعارضة أساساً سياسته وسياسة عمّه الرئيس عون وتماهيهما مع سياسة “حزب الله”. ورغم المعاملة السيّئة التي مارسها أيّاماً عدّة الرئيس الأميركي ترامب تجاه هؤلاء الحلفاء فإنّه لن ينتهج سياسة مُعادية لهم في لبنان ينفّذها رئيسه وحكومته. وكل هؤلاء في رأيه تحت نفوذ من يعتبرهم أعداء بلاده وفي مقدّمهم إيران والإرهاب الذي تدعمه في رأيه من جهة، كما الإرهاب الإسلامي السُنّي المُعادي لها وله ولبلاده الذي تُمارسه التنظيمات المُتطرّفة.

طبعاً في السياسة لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة، لذلك فإن الجزم باستحالة ترتيب العلاقة بين باسيل و”تيّاره” وأميركا في غير محلّه. كما أن الجزم بعكس هذه الاستحالة في غير محلّه أيضاً. فالسفيرة دوروثي شيا تُمارس في لبنان سياسة جريئة بل هجوميّة حتّى في المحافل الرسميّة مثل الاجتماعات التي يترأّسها إمّا رئيس الدولة أو رئيس الحكومة. إذ تتجاوز أحياناً حدود مواقف حلفائها من الدول الكبرى ومواقف ممثّلي هيئات ومُنظّمات دوليّة بجملة أو بعبارة أو بتعليق لتأكيد الإصرار على موقف رئيسها وإدارته. وقد أكّدت أكثر من مرّة أن صندوق النقد الدولي لن يُعطي لبنان مساعدات إذا لم يُصحِّح أوضاعه. وأشارت في تلفزيون OTV التابع لـ”التيّار” إلى وجوب التدقيق في “الكهرباء” والفيول المغشوش. انطلاقاً من ذلك لا بُدّ من الإشارة إلى أنّها فتحت أو بالأحرى انفتحت على باسيل ردّاً على سعيه الدؤوب وإن غير الناجح حتّى الآن لفتح باب التواصل معها ومع رؤسائها في الخارجيّة الأميركيّة. فالتقته أكثر من مرّة وعقدت معه اجتماعات معمّقة الأبحاث ومطوّلة كان بعضها بعيداً عن الأضواء. طبعاً عرف باسيل و”الشركاء” المتنوّعون والمتناقضون معنى ذلك، فبدأت لفلفة فضيحة الفيول المغشوش على ما يقول كثيرون. علماً أن لا شيء يمنع ظهور ما يشير إلى استمرار التحقيق فيها. وعلماً أيضاً أن الطريقة التي تناول فيها مجلس الوزراء أخيراً “قانون قيصر” (Ceaser) الاميركي الذي يكاد أن يصبح نافذاً بعد أيّام يشير إلى أن التودّد إلى أميركا مستمر وإن هذه المرّة بغير لسان باسيل بل بألسنة ربّما تكون معه في السياسة وغير مُعادية لأميركا. إذ يعرف اللبنانيّون من خلال وسائل الإعلام أن القانون المذكور لم يكن مُدرجاً على جدول أعمال مجلس الوزراء. لكن نائبة رئيس الحكومة ووزير الدفاع زينة عكر سحبت ورقة من ملف أمامها وقدّمتها للرئيس عون فقرأها ثم طلبت منه الإيعاز بطبع نسخ منها لتوزيعها على الوزراء. ثم دار بحث فيها فاجأ الوزراء التكنوقراط لكن المؤيّدون في السياسة لـ”حزب الله” و”حركة أمل” ووزراء آخرون أيضاً. وراحوا يتساءلون مع غيرهم إذا كان دياب يعرف بذلك وأيضاً وزير الخارجيّة. لكنّهم لاحظوا أنّ رئيس الحكومة فوجئ بما حصل فاقترح تأليف لجنة اختصاصيّين للبحث في هذا الموضوع. فقيل له أنتم وزراء اختصاصيّون. هل يكون لهذا الأمر تداعيات لاحقاً؟ ربّما. هل يُحقِّق باسيل أخيراً حلمه الأميركي؟ وهل الكلام الإعلامي عن قِصَر عمر حكومة دياب وعودة سعد الحريري إلى السرايا الحكوميّة مُحتمل أم يعبّر عن تمنّيات؟