//Put this in the section

عون لدياب: أنت تكنوقراط أو سياسي ساعة إللّي بدّك؟

سركيس نعوم – النهار

أرجأ مرّة جديدة مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة التي عقدت في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون بت التعيينات المالية وهي التسمية التي أطلقها عليها المسؤولون الإعلاميّون، ومعها التعيينات الإداريّة وذلك رغم التسريبات المتعمّدة عن وصول وزراء حكومة التكنوقراط إلى تفاهم حولها، وإلى حصول اتفاقهم على بركة حامي الدستور الساهر أبداً على احترام بنوده، كما على موافقة السياسي المؤثّر جدّاً في الداخل الدولتي والإداري والسياسي والحزبي رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل. طبعاً لم يصدُم ذلك اللبنانيّين لأنّهم يعرفون حكّامهم وقادتهم والمصالح التي تُحرّكم كما الغرائز. لكنّهم لم يشعروا بالارتياح لأنّ ذلك يؤكّد لهم مرّة جديدة أنّهم في واد والطبقات السياسيّة الحاكمة والمعارضة في آن في وادٍ آخر. لهذا السبب سيحاول “الموقف هذا النهار” إلقاء بعض الضوء على الإرجاء المُشار إليه أعلاه وأسبابه، ولكن من دون أن يدّعي كما الكثيرين في مهنتنا أي الإعلام وخصوصاً بعدما تنوّع وتشعّب أنّه مالك الحقيقة الكاملة في هذا الموضوع. وهو سيستند في ذلك إلى معلومات الجهات السياسيّة الجديّة جدّاً والمُطّلعة جدّاً على ما جرى ويجري في موضوع التعيينات وموضوعات أخرى، والتي كانت مصدر معلوماته التي نُشِرت يوم أمس.




ماذا في هذه المعلومات؟

فيها أوّلاً أن الولايات المتّحدة، التي يتّهمها لبنانيّون ومن زمان بالتخلّي عن لبنان لأنّهم يريدون منها أن تساعد بلادهم وهم إمّا نائمون أو مُتخلّون عن مسؤولياتهم وأن تقوم بكل شيء نيابة عنهم، كما التي يتّهمها لبنانيّون آخرون باستهدافهم أحزاباً وشيعاً وطوائف ومذاهب وباستعمال اللبنانيّين الآخرين من أجل النجاح في ذلك، أن الولايات المتّحدة هذه مهتمّة كثيراً هذه الأيّام بـ”التعيينات الماليّة” ولا سيما في مصرف لبنان. طبعاً لا يعني ذلك أن الأخيرة تشمل موقع حاكمه رياض سلامة صاحب النجاحات المُهمّة سابقاً التي انتهت إلى فشل مدوٍّ لأسباب لا يُسأل عنها وحده بل تُسأل عنها أيضاً الدولة اللبنانيّة العاجزة عن القيام بمهمّاتها لأسباب موضوعيّة وأخرى لها علاقة بالمصالح غير العامّة التي تؤدّي غالباً إلى تعميم الفساد وثقافته في البلاد. فالرئيس ميشال عون يوم طرح وباستياء موضوع سلامه في بداية إحدى جلسات مجلس الوزراء لم يقل أنّه يريد إخراجه من الحاكميّة، وأنّه سيلجأ إلى التصويت تحقيقاً لهذا الهدف. بل دعا إلى البحث في التعثّر المالي المصرفي العام والخاص وعن المسؤولين عنه قبل الوصول إلى مرحلة الخيارات والقرارات. علماً أن المعلومات السابقة الموثوقة جدّاً قبل جلسة تجديد ولاية سلامة للمرّة الخامسة قبل أكثر من سنتين أكّدت أن عون كان يقول وبحدّة قبل يومين من انعقادها أنه سيزيحه من منصبه. لكن براعة “الحاكم” غيّرت له رأيه بعد يومين، وصار من مُقترحي التجديد له. ويعني ذلك أن الموقف الفعلي لسيّد قصر بعبدا أو للأقوياء فيه من حلفائه و”أبنائه” من سلامة لم يكن يوماً إيجابيّاً في المطلق.

في المعلومات أيضاً أن التعيينات المالية المقصودة هي نوّاب حاكم مصرف لبنان الأربعة (الشيعي والسُنّي والدرزي والأرمني) التي انتهت ولايتهم، ولجنة الرقابة على المصارف رئيساً وأعضاء، وهيئة ماليّة أخرى بأعضائها. وهي تشير إلى خلاف مهم داخلي على “النوّاب”. فرئيس مجلس النوّاب نبيه بري يقول إنّه مع تعيين نوّاب جدد وسيرفض الاستنسابيّة في هذا المجال كأن يُجدّد لواحد انتهت ولايته أو أكثر وإرسال الآخرين إلى بيوتهم. فإذا كان لا بُدّ من التجديد فليشمل الجميع. ويوافقه على ذلك الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط. أمّا الجهات السياسيّة الموالية لبعبدا ولا سيّما المسيحيّة منها فتريد أن تكون لها حصّة أساسيّة فيها. لكنّها تشير في الوقت نفسه إلى خلاف مع الخارج حول هذا الأمر. فالولايات المتحدة المُصرّة بواسطة سفيرتها الجديّة و”القويّة”والمُطّلعة بدقّة وعمق على ملفّات لبنان دوروثي شيّا على تنفيذ “الأجندة السياسيّة” لإدارتها أبلغت من يلزم ما معناه أن نائب الحاكم المُنتهية ولايته محمد بعاصيري “خط أحمر”، وأصرّت على تعيينه مجدّداً في موقعه. وهي تشير أيضاً إلى أن رئيس الحكومة الدكتور حسان دياب رفض ذلك، كما رفضته جهات أخرى تعتبر ذلك تدخّلاً أميركيّاً سافراً هدفه إضعافها والنيل منها ومحاصرتها وإذا أمكن تخفيف قبضتها عن لبنان. طبعاً لم يستعمل دياب السبب الأميركي لتبرير رفضه، بل استعمل وضع طائفته واعتراضات القوى الكبرى فيها بقوله: “أنا لا أتحمَّل ذلك سُنيّاً”. كما استعمل الحجّة نفسها للاعتراض على تعيين أحمد عويدات رئيساً لمجلس الخدمة المدنية (على الأرجح) الذي يؤيّده “تيار” النائب باسيل. وبذلك كان دياب يطالب الحكومة ورئيس الدولة بمراعاة وضعه السُنّي مثلما طلبوا منه مراعاة الطائفة الارثوذكسيّة عندما بادرت بلسان مطرانها في بيروت الياس عودة “الثائر الأول” ومن زمان، كما بلسان نائب البقاع الغربي ايلي الفرزلي التقدّمي العروبي المؤيّد لسوريا وحلفائها وحلفاء حلفائها في المنطقة الذي صار مسيحيّاً يوم قاد حملة لإصدار قانون انتخاب ينتخب أبناء كل طائفة ومذهب نوّابهم، ثم ارثوذكسيّاً إلى رفض إعادة محافظ بيروت زياد شبيب إلى مجلس شورى الدولة وتعيين مارونيّة تعمل حاليّاً مستشارة لدياب مكانه. وربّما يكون أزعجه إلى حدّ ما التوافق على المرشّح الارثوذكسي السيد عبود محافظاً لبيروت وهو يحظى بدعم عودة لكن لا يشكّ أحد في أهليّته لشغل هذا الموقع. و”زاد الطين بلّة” كما يُقال طرح رئيس الحكومة السيدة يقظان لموقع مهم في الفئة الأولى، ولكن ليس بلسانه بل بلسان الأمين العام لمجلس الوزراء القاضي مكيّة. إذ بادر الأخير إلى طرحها للموقع الإداري المُهم بمطالعة استمرّت 12 إلى 14 دقيقة، بيّن فيها حسناتها وموجبات تعيينها. وبدا كأنّه وزير يطرح شخصاً لموقع. طبعاً ردّ عليه عدد من الوزراء معارضين أو معترضين لأسباب متنوّعة منها وجود ملف قضائي لها وإن من دون حكم. ثمّ تحدّثت وزيرة العدل ماري كلود نجم مقترحة التخلّي عن الاستعانة بأشخاص من سلك القضاء لشغل مواقع إداريّة الأمر الذي يربك ولا يُحقّق النتائج المرجوّة. وقالت إن أحداً لم يستشرها في تعيين أحد القضاة في مركز إداري ولذلك فهي ترفض هذا الأمر. طبعاً تحدّث بعد ذلك الرئيس دياب وكرّر عجزه عن تحمّل ما يُطرح من تعيينات سُنيّة في طائفته. فنرفز الرئيس عون بقوله: كيف بدّك يانا نجبر الارثوذكسي على إحلال مارونيّة في موقع إداري هو لهم (محافظة بيروت). فردّ: “أنا لا أقبل ذلك فأنا تكنوقراط ولست سياسيّاً”. عقّب عون: “ساعة اللّي بدّك بتكون تكنوقراط وساعة اللّي بدّك بتكون سياسي”. طبعاً بعد ذلك أُرجئت التعيينات المقترحة كلّها، وكوّن ذلك انطباعاً عند بعض الحكومة وفي الوسط السياسي يفيد أن دياب يريد أن يصبح سياسياً محترفاً وعند الجهات السياسيّة الجديّة جدّاً والمُطّلعة جدّاً نفسها. فهل يعني ذلك أن حكومته دخلت مأزقاً وجوديّاً؟

كيف ستحلّ مشكلة التعيينات المالية؟