//Put this in the section

موظفو المصارف.. مش “نيالن شو ع بالن”! – بقلم كاتيا سعد – باريس

“نيالكن شو ع بالكن”.. أول ما يخطر على بالي كعبارة مشتركة، في هذه الأيام، بين ما نسمعه نحن كمغتربين وبين ما يسمعه موظفو البنك من أصغر رتبة إلى أعلاها. الدافع من إطلاق سراح هذه العبارة من أفواه ناطقيها ليس “الغيرة”، وإنما “الحسرة”.
كلّما استيقظ الغلاء والبطالة والفساد، وكلّما تدحرجت الحالة الاقتصادية، وكلّما شعر اللبناني بمرارة انتهاك أدنى حقوقه، كلّما نمت في ذهنه هذه العبارة والتحمت بها فكرة الهجرة. ومنذ أن دقّ ناقوس الخطر القطاع المصرفي، وأصبح المواطن سجيناً لفكرة “وين مصرياتي” (أين هو مالي؟) وأصبح تحصيله لمبلغ من المال بحاجة إلى معجزة، أصبح المواطن يردّد أيضاً هذه العبارة.

بتنا أسرى للمجهول، لدرجة أننا أصبحنا من أصدقائه. وعلى الرغم من الواقع القاسي الذي افترش ظلاله على الكون ونسبة البطالة إلى ارتفاع عالمياً، إلا أنّ ما يعيشه اللبناني يمنعه من رؤية حقيقة أنّ الإشكالية باتت كونية وما زال يعتبر “وين ما كان أحسن من لبنان”.
ولكن المشكلة لا في الوطن ولا في البنك، بل في النظام وفي كيفية إدارة الأزمات. لا ولن أقتنع أنّ من يحكمنا جاهلاً لدرجة أنه يصعب عليه إيجاد الحل المناسب. فمن النقاط الرئيسية في إدارة أي شركة هو استراتيجية إدارة الازمة، فكيف إذا تكلّمنا عن “وطن”؟
وما يشهده المشهد اللبناني – السياسي منذ أشهر هو خير دليل أن الطاقم الحالي ليس في مكانه المناسب. ثورة؟ فليكن وإن تسودها بعض الشوائب. ولكن ما لا أفهمه تلك “الهمجية” التي ألمسها في التعاطي مع الموظفين في القطاع المصرفي: هل تكسير المصارف، التعدّي على الموظف، رفع السلاح في وجهه، توجيه الإنذارات، تحطيم الصراف الآلي، وغيرها من الطرق.. هل ستفي بالغرض؟ كلا وكلا.
وجاء حادث مقتل أنطوان داغر، مدير الأخلاقيات في بنك بيبلوس وإدارة مخاطر الاحتيال، نتيجة تعامله مع إحدى الملفات الحساسة بحسب ما أظهرته التحقيقات الأولية، ليُشعل حالة القلق وعدم الطمأنينة التي يشهدها لبنان على كافة الأصعدة.




نعم، ردّة فعل المواطن في المصرف “طبيعية” للوهلة الأولى، ولكن حال الموظف مهما كانت رتبته، هو حال كل مواطن، وليس بيده الحلّ السحري للأزمة التي يشهدها هذا القطاع. للتوضيح، ليس الموظف من قام باستغلال حسابات الشعب والتلاعب بها. وعلى سبيل المزاح، يقول بعض العاملين في المصارف بأن علاقتهم بالمال “شمّ ولا تدوق”. لا تظنّ يا من “تتطاول” على أي موظف بأنه أفضل منك حالاً، فهو مثلك “يتحسّر” على ماله النظيف الذي يكسبه من عمله ويكتفي بسحب المبلغ بحسب ما تفرضه القوانين، ولا تعتقد بأنه يحظى بامتيازات في سعر صرف الدولار، ولا تتخيّل أنه يمتلك ماكنة تطبع المال.. فهو على عكس ما تعتقد بأنه ” نيالو شو ع بالو”، هو يشعر بالأسى بشكل مضاعف: أولاً لأنه لا يستطيع التحرّك براحة بماله، وثانياً لأنه يتعاطف مع حال المودعين. ليس المطلوب منك يا أيها المواطن إلا أن تضبط ذاتك و”لسانك” وأنت تطالب بحقّك أمام الموظف.

حتى ولو ما يزال واقع لبنام ملبّداً بالغيوم السوداء، والشواذ يتآكل كل القطاعات، وحلم الهجرة يدقّ باب كل عائلة لبنانية دون استثناء، يبقى العزاء بأن الأزمة اليوم عالمية، والألم عالمياً. ومن يدري، لربما سينطبق على لبنان المثل المعروف “إذا ما كبرت ما بتصغر”.