//Put this in the section

الخطيئة الكبرى! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

من كان يتصور أن تأتي قصة أهم لتغطي على أخبار الحدث الأول (كوفيد – 19)، ولكن العنصرية أحداثها عادت (وهي التي لا تغيب) لتذكر المجتمع الدولي بأسره أنها القضية الأخلاقية الأولى للإنسان وخطيئته التاريخية. ولكن هذا ما حدث، واليوم عاد ورم العنصرية الخبيث لمرحلة الصديد والنزف الشديد. مجتمعات حول العالم «تجذر» فيها التمييز العنصري حتى تحول إلى تراث يتم التفاخر به والدفاع عنه.

وإذا كان المشهد «العنصري» يتعلق بالساحة الأميركية تحديداً، فهذا لا يبرئ الآخرين حول العالم. فلا أحد بريء منها. وبعض مناطق العالم العربي أيضاً. وطبعا لا يقتصر الأمر على التمييز ضد السمر، ولكن النعت بالأصول والتفاخر بالأنساب إرث جاهلي نهت عنه الأديان وسائر الأنبياء، ولكن الجذر العنصري أثبت قوته على البقاء والاستمرار، وتم لي الآراء للانتصار للعنصرية مما جعل المواطنة تقسم عملياً إلى درجات وطبقات.




في أميركا، التي كانت أول دولة تسن قانوناً دستورياً يجرم الرق، ويمنع بالتالي ممارسته وكانت هذه المسألة المحورية أحد أبرز أسباب اندلاع الحرب الأهلية الأميركية، خاض المجتمع معارك فكرية ضد الجبهات العنصرية المتطرفة المختلفة، والتي كانت ترفض فكرة «اندماج» جميع أطياف المجتمع بعدل ومساواة، ولأجل ذلك قدمت العديد من الأعمال الأدبية والملاحم الدرامية لترسيخ قيم العدل والمساواة والحقوق في مجتمع تعود طويلاً على تجاهلها.

خرجت مؤلفات جيمس بالدوين المهمة في روايات خلابة، وانطلقت مسيرات مارتن لوثر كينغ ومالكلوم إكس الملهمة وخطاباتهما المؤثرة، وتبلورت رحلة الحقوقي العملاق ثيرجوود مارشال وصولاً لملحمة «الجذور» التي استعرضت بأسلوب ساحر وجذاب مسيرة وحياة «كونت كينتي» الفتى الأفريقي الشاب الذي يخطف من غرب أفريقيا عن طريق عصابات الرق ليباع في الولايات المتحدة… ويتعقب هذا العمل الإبداعي الكبير حياة الفتى جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى حياة مؤلف العمل الروائي الكبير «أليكس هايلي».

وطبعاً كانت هناك العديد من الأعمال الرائعة في الطريق مثل «أصل الآخرين» للروائية الفائزة بجائزة «نوبل» للآداب توني موريسون، و«اللون القرمزي» للروائية أليس ووكر، والشاعرة العملاقة مايا أنجيلو في عملها الخالد «أنا أعرف لماذا يغني الطير المحبوس»، مع عدم إغفال العشرات من الأعمال السينمائية المؤثرة جداً وصولاً للمشهد الأكثر تأثيراً وهو وصول نيلسون مانديلا، أحد أعظم الساسة في التاريخ الإنساني، إلى سدة الحكم بعد سجنه لمدة 29 عاماً، وسطر الرجل ملحمته بشكل رائع في سيرته الذاتية «المسيرة الطويلة للحرية».

عربياً تعامل الأدب والإنتاج الدرامي بشقيه التلفزيوني والسينمائي بخجل شديد جداً، فلا توجد أعمال تذكر باستثناء «ليون الأفريقي» لأمين معلوف و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح و«ميمونة» لمحمود تراوري، وسينمائياً مع شديد الأسف لم يكن هناك إلا معالجة كاريكاتورية لقصة عنتر بن شداد وعبلة.

العنصرية هي سرطان الشعوب لأنها تسلب من المواطن شعور العدل والإنصاف والمساواة وتجعله يعيش تحت كابوس الظلم، وهذه خطيئة يتحملها كل من يعلم.

العنصرية هي السر البغيض الذي تم السكوت عنه طويلاً وأخفي كثيراً، واليوم في زمن العالم الواحد والقرية الصغيرة لم يعد أخلاقياً ومقبولاً استمرار هذه الجريمة.