//Put this in the section

“الغباء الإلكتروني” يعزّز “الوباء المعلوماتي” – بقلم كاتيا سعد – باريس

إنْ كان لكل مجتمع عاداته وتقاليده ومعتقداته، فإنّ الفرد يشترك في صنعها. الأمر الذي يُلزمه أن يواكب بحذرِ التغيّرات من حوله، خاصة التكنولوجية منها، التي وحّدت العالم في “قرية كونية واحدة”. وبين حُسن الاتّكال على التكنولوجيا وسوء استخدامها خيط رفيع، خاصة وأن الفرد هو مصدر من مصادر الخبر. فمنه قد ينطلق الخبر ليصبح فيما بعد المتلقي. وبالتالي فالعناية بالمادة الإعلامية من أهم أسس الإخبار، حتى تصل بأمان إلى القارئ، المستمع، والمشاهد. ومع ظهور التطبيقات الإلكترونية منها خدمة الواتساب، وتنوّع وسائل التواصل الاجتماعي كالفايسبوك، الانستغرام وتويتر، اجتاح غالبية أفراد المجتمع هذه المنصّات. في البداية، تمّ التعاطي معها على أنها “وسيلة تسلية”، تهدف إلى التقارب الاجتماعي وتخطي حاجز الزمان والمكان، لتتّخذ مع مرور الوقت مساحة اعلامية أكبر باعتبارها “وسيلة مساندة وداعمة” لوسائل الإعلام.

الاستخدام الصحي في خدمة وسائل التواصل الإجتماعي
من جهة، حجزت وسائل الإعلام التقليدية بطاقة على متنها، الأمر الذي يساعد في ابقائها على قيد الحياة وفي الوقت نفسه تصل الأخبار إلى المتلقي بشكل أسرع وإن كان بطريقة مقتضبة، باعتماد النمط الخبري الخاص بها. ومن جهة أخرى، اتّخذ غالبية الأفراد مكاناً خاصاً بهم على هذه المنصات، وأصبح البعض صانعاً للخبر ومشاركاً في بثّه على نطاق واسع، من خلال مشاركة بعض الأخبار على صفحاتهم الخاصة.




من هنا، تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي “ظاهرة تكنولوجية اتّخذت مكانتها عبر عدّة وسائط. وقد دخلت في نظام الحياة اليومي لتصبح فيما بعد جزءاً لا يتجزّأ منه”، على حدّ قول أنطوان طنّوس، المحلّل التكنولوجي ومعدّ ومقدّم برامج تكنولوجية. هذا ويشدّد على إيجابية هذه التقنيات والوسائط الإلكترونية، ومساهمتها بشكل فعّال في إقامة جسر التواصل ما بين الأشخاص وكسر حاجز البعد الجغرافي، التواصل مع الجامعات في الخارج، حتى أنها من الوسائل المساندة للتعارف. ولكن سوء استخدامها هو الذي يطرح إشكالية مساوئها أو سلبياتها.

ومع مرور الوقت، أخذت هذه الوسائل بالتطوّر ليواكب مسار استخدامها المتطلّبات اليومية. وتعمد كلّ منصّة على تحديث نظام البرمجة بما يخدم العصر سواء على الصعيد الشخصي – الفرد أو العملي – المؤسساتي. ويوضّح أنطوان بأنّ التغيّرات تحدث بشكل يومي “ويمكن التحدّث عن تغيّرات قد تحدث كل ساعة”. ويشدّد على أهمية “الاستخدام الصحي” لهذه المنصات من خلال الاهتمام بالخصوصية (Privacy) بالدرجة الأولى، ومن ثمّ تحديد الغاية من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (التسلية؟ نشر العلم؟…).

المعلومات المغلوطة تدعم الحروب
سرعان ما انخرطت هذه الوسائل في هرم التراتبية للنظام الحياتي – اليومي. فاخترقت العالم كله بقيود “غير مُحكمة”، وشغلت كل الفئات العُمرية بأنظمة رقابة “اللا رقابة”. وأخذت الخدمات تتزايد وتتداخل مع تلك التقليدية في مختلف القطاعات: التعليمية، القضائية وحتى الحقوقية. وهكذا تحوّلت هذه الوسائل إلى “قوة عظمى” لدعم كل قضية مهما كان حجمها أو نوعها، ووسيلة ضغط تتحرّك من خلالها حكومات الدول. يكفي أن تنطلق اليوم حملة من نشطاء لديهم الملايين من المتابعين (بغض النظر إن كانوا حقيقيين أو مزيّفين) تحت وَسَم (Hashtag) هو محور القضية، حتى يشتعل الرأي العام وتؤخذ القضية على محمل الجدّ وتخرج من إطارها المحلي – الداخلي إلى الإطار العالمي – الكَوني. لا مفرّ من التكنولوجيا، إلاّ أنّ “الوعي الذاتي” سيّد الموقف في كيفية التعاطي مع كل الوسائط “الافتراضية”، فالعدوّ الأوّل هو “الغباء الإلكتروني” الذي يولّد “الوباء المعلوماتي “(Infodemic).

والوباء المعلوماتي عبارة عن ضخّ مجموعة من المعلومات قد تفوق قدرة الشخص على استيعابها، ومن شأنها أن تتوسّع حتى تصل حدّ “المعلومات المغلوطة” (Fake News). وهو ما يحدث على سبيل المثال مع انتشار وباء كورونا في أواخر 2019 وبداية 2020، والتدفّق الهائل للمعلومات عبر المنصات الاجتماعية بشكل خاص. والسؤال يطرح: ما الصحّ ممّا يُقال؟ وما الخطأ فيما يُنشر؟ وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في شهر شباط/فبراير 2020 عن “قيامها ببرنامج التصدي للإشاعات المنتشرة عن جائحة الكورونا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسيكون ذلك من خلال الفرق المسؤولة عن إدارة مخاطر التواصل التقني، والتي تتخذ من جنيف مقراً لها”. ويشدّد أنطوان طنّوس على أنّ “وجود وسائل التواصل الاجتماعي يساعد في انتشار المعلومات المغلوطة، باعتبار أنّ الخبر الكاذب ينتقل بشكل أسرع من شخص إلى آخر وعلى نطاق جماهيري أوسع”. ويضيف: “عند تصديق الخبر الكاذب، يؤثّر ذلك سلباً على الفرد والمجتمع وحتى الأمن القومي. إنّ الأخبار الكاذبة أو المغلوطة من شأنها أن تغيّر أنماط التفكير”. وبالتالي فإنّ أيّ سوء في فهم الخبر وتداوله، سينعكس سلباً على الإنتاجية، وقد تتصاعد التداعيات حتى تؤدّي إلى الخراب والحروب.

 

ها هي التكنولوجيا تفرض نفسها العملة الصعبة الجديدة، التي تتصارع الدول للاستثمار في شؤونها، وتقع المسؤولية على الشعب في الاعتناء أوّلاً وأخيراً بالمحتوى والمضمون، خاصة عند الشروع للتداول به. وإن كانت وسائل التواصل الإجتماعي هي المنصّة الإلكترونية التي تنشغل بتحديثها الدول، فإنّ على الأفراد التكيّف إيجابياً مع تطبيقاتها. أمّا المعلومة، فمن المهمّ التعاطي معها بكل موضوعية وجدية وعدم الاستهتار أثناء نشرها وتداولها، فلننظر إليها على أنها “مناقصة” ولترسي على المصدر الموثوق به.