//Put this in the section

من يسدّد الخسائر الجديدة؟ – غسان العيّاش – النهار

آن الأوان لكي نستوعب الدرس الذي تعلّمناه “من كيسنا”، وخلاصته أن لسوء إدارة الشأن العام ثمنا اقتصاديا باهظا يدفعه المجتمع في نهاية المطاف، مهما أتقن الحاكمون فنون التأجيل.

واضح للعيان أن الحكم مرتبك والحكومة متعثّرة، وأن الوعود تفوق النذر اليسير من الأمور التي تتحقّق. وبديهي أن يدفع اللبنانيون ثمن هذا التعثّر، لأن البلاد بأمسّ الحاجة إلى حكم مستقرّ وخيارات صحيحة وقرارات تنبثق من الرؤيا الثاقبة وبعد النظر.




الخلاف حول معمل سلعاتا لإنتاج الكهرباء ألقى الضوء على مشاكل عدة متقاطعة، تنفجر في الوقت الغلط. فقد كشف استمرار الفشل والتخبط في سياسة الكهرباء، وأظهر تداخل إدارة المرافق العمومية مع المصالح الشخصية والسياسية والانقسام الطائفي العميق في البلد. وفيما تحتاج البلاد إلى تعبئة واستنفار كل المؤسّسات وتجنيدها في مواجهة الأزمة، تعجز الدولة عن إجراء التعيينات لتحقيق الانتظام في إداراتها. وفي مواجهة أكبر أزمة مصرفية ونقدية في تاريخ لبنان لا تستطيع الدولة المنقسمة على نفسها ملء الفراغ في حاكمية مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، وذلك بالتوازي مع العجز عن إنجاز التشكيلات القضائية.

يصعب استيعاب هذا الواقع في بلد يقف على شفير المجاعة. والسؤال الأهمّ أن الدولة راكمت ثلاثة عقود من السياسات الخاطئة والهدر والإهمال، وعندما جاء وقت الحساب قرّرت تحميل الخسائر للآخرين. فهل تسلك الطريق نفسه وتحمّل مودعي المصارف ومساهميها ثمن الأخطاء الجديدة التي ارتكبتها هي في المئة يوم الأخيرة؟

وزير الخارجية الدكتور ناصيف حتي ديبلوماسي عربي ومخضرم، له علاقات عربية ودولية واسعة. وأفضل ما يمكن أن يفعله لخدمة لبنان هو إجراء تصحيح في سياسة لبنان الخارجية فيسعى بقدر استطاعته، وبقدر ما تسمح به سياسة الدولة وتوازناتها، لإعادة الحرارة إلى علاقات لبنان مع العرب والغرب. ليس ذلك حبّا بهؤلاء، بل لأن لبنان قد يضطر يوما، ليس ببعيد، إلى التسوّل ومدّ اليد إلى أشقائه وأصدقائه القدامى لكي يهبوه القمح وغيره من المواد الحياتية، حتى لا يجوع اللبنانيون.

كان بالإمكان قبل المحنة الراهنة عدم الجهار بالحقيقة تلافيا للهلع. ولكن، بعدما “زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها”، وانهار الهيكل النقدي والاقتصادي على رؤوس اللبنانيين بات قول الحقيقة كما هي فرض وواجب.

فإخفاء الحقائق لتلافي الذعر ليس دائما محمود العواقب. والمثير للقلق اليوم هو احتمال فقدان الحدّ الأدنى من الاحتياطات بالعملات الأجنبية الكافي لاستيراد القمح والدواء والمواد الغذائية، مما يهدّد بخطر الجوع. وكان رئيس الحكومة حسّان دياب أشار صراحة إلى هذا الاحتمال المفزع في مقال له الشهر الماضي في جريدة “واشنطن بوست” الأميركية الذائعة الصيت.

عاد التكتّم القاتل يلقي الظلال على حجم الموجودات الخارجية للبنان. والتكتّم في المرحلة السابقة انكشف عن فجوة مالية كبيرة ما زالت “أطراف” الدولة تتجادل في ما بينها حول حجمها وحول رغبة الدولة بالتملّص من مسؤوليتها حيالها. ويُخشى أن ينجلي الغموض اليوم عن فقدان القدرة في الأشهر المقبلة عن استيراد المواد الأساسية.

الأكيد أن مصرف لبنان تعهّد للحكومة بتأمين 12 مليار دولار هذا العام، نصفها لاستيراد المحروقات، ونصفها الآخر لاستيراد القمح والأدوية والمواد الأساسية ولتلبية السحوبات النقدية من قبل زبائن المصارف. وليست هناك أرقام رسمية موثوقة تثبت قدرة المصرف المركزي على الوفاء بتعهّده هذا لأكثر من بضعة أشهر، لا أكثر.

والأسوأ أن مصرف لبنان يتعرّض منذ إعلان هذا الالتزام إلى ضغوط متنوّعة من شأنها أن تستنزف القليل المتبقّي من موجوداته الخارجية. فالحكومة المذعورة – سياسيا- من انفلات سعر الصرف، تضغط على مصرف لبنان للتدخّل في “سوق الصرّافين” للجم تدهور العملة اللبنانية. ومن جهة أخرى، ترغب الجهات النيابية والسياسية برفع سقف التحويلات إلى الخارج دون وعي لتأثير ذلك على الموجودات الخارجية المتناقصة للنظام المصرفي.

في التحليل الأخير، يبدو المشهد مثيرا للقلق. فلبنان يسير بنفس النهج الذي قاده إلى الكارثة.