//Put this in the section
سمير عطا الله

علامات الحالة – سمير عطاالله – النهار

خبر صغير في صفحة عادية أحد أيام الاسبوع الماضي، يقول إن شركة “كوكا كولا” أغلقت كل أعمالها في لبنان ومضت. وبكل حس تجاري ظهرت على التلفزيونات حملة مبكرة، مستبقة حر الصيف واغراء الانتعاش، تروِّج لشركة “ببسي كولا”. الأول كان اعلاناً حزيناً في جملة الافلاسات المتسارعة، والثاني بارداً، بلا منافسة. مجرد تذكير على طريقة الجمعيات العمومية.

في كتابه “بار السان جورج” (1) يروي سعيد أبو الريش كيف “اجتاحت” زوجة مدير “الببسي” الاميركية بلجاجة العاصمة اللبنانية في المنافسة الطاحنة مع شركة “كولا”. وكيف كان مديرو ثلاثة بنوك أميركية يديرون نصف ثروات العالم من لقاءاتهم في ذلك البار. وكيف غيرت بيروت تجارة السيارات في الشرق الأوسط العام 1958 من طريق غسان شاكر. وكيف كان بار الفندق الجميل يؤثر في الصراع على سياسات المنطقة ونفطها وتجاراتها ومؤامراتها.




من بيروت، كان وكلاء البنوك الاميركية الكبرى الثلاثة، يحركون معدل الفائدة في نيويورك، بنصف نقطة. فأموال الخليج والعالم العربي كانت هنا، تتمتع بالأمان والازدهار، وموقع المدينة في قلب العالم، وحذاقة اللبنانيين في تسويق البان العصافير.

إقفال “الكولا” في لبنان، وهي مشروب العامة وأرقاء الحال، دلالة على اقفال حزين آخر. جزء من الصورة القاتمة في افلاس المدينة وهرب الرساميل، بعكس صورتها الزاهية المزهوة في “الحقبة الجميلة”، التي كان يأتي فيها أثرياء أميركا ليوسِروا في سويسرا الشرق وجوهرة المتوسط.

نحن بلد مفلِّس. قالها لنا البطريرك بشارة الراعي أمام القصر الجمهوري، فسارعوا الى اخفاء خوفه وصراحته، بدل ان نسارع الى معالجة المصيبة. وكنا يومها ندخل الاغلاق المعيشي، قبل الدخول في الإغلاق الوبائي.

سبق الإفلاس المادي تدهور في كل المستويات الأخرى، خصوصاً مستوى الحوار الوطني والعلاقات الأهلية، وساد اندفاع جنوني في ذر الكره والحقد وتشتيت القوى الوطنية بهدف اضعافها والغائها، أوتسخيف وجودها.

حدث ذلك خصوصاً حيال القوى المسيحية المؤسِّسة مثل الكتائب والاحرار والمردة والقوات اللبنانية، ناهيك بعشرات الآلاف من المستقلين والعاكفين عن الخوض في صغارات السياسة وتقبلها ودموياتها وصفقاتها وتعديها على سلامة الأرض والوطن وأمن الناس.

نصف قرن والعابثون بالاستقرار لا يشبعون. مسار انتقام لا يرتوي، ومسيرة ثأر لا يرتقي. تظن الناس أن الوصول الى الغاية نهاية، فإذا هو مجرد بداية أخرى. تعتقد الناس ان الفرحة فرصة للهدنة، فإذا هي تفشيخ فوق الجبل وعبر الساحل وفي كل مكان يريد ان ينسى اشباح الموت والخراب والبواخر المهاجرة.

كل يوم هناك عدو نبحث عنه. كل يوم هناك مرتكبون نطاردهم، نحن الانقياء الاتقياء السلام لاسمائنا، يوم ولدنا ويوم حيينا ويوم القيامة، إذ يفرزنا الله في المقدمة خرفاناً للمسيح، وُدعاء كالغنم، متواضعين كالنعاج، مترفعين لا ينقصنا سوى التطويب. طولوا بالكم. جايي.

بصراحة، انفلقنا. نريد ان نسمع سياسياً واحداً يقول إنه مسؤول. كل ما نسمعه سياسيين يريدون ان يصبحوا رؤساء للجمهورية. ليش يا عمي؟ ما هي السيرة التي تخولك كرسي بشارة الخوري وكميل شمعون وفؤاد شهاب؟ ما هوالرقي الوطني الإنساني الذي يوصي لك ميراث الياس سركيس؟

ينام البلد ويقوم على كابوس. ولا يوعد إلا بكابوس. وسعادة حاكم المصرف ما زال يمنن سمانا بأنه لولا حرفيته لما كان هناك مال ولا مصارف. والله فهمنا. عجائب عجائب. نريد واحدة منها نسحب بموجبها كلفة السفر بالدولار من حسابنا المفتوح منذ ثلاثين عاماً. نريد ألا نتسول ودائعنا ومدخرات ابنائنا، وألا نقف على أبواب البنوك مثل المشردين.

لا يتخاطب السياسيون إلا في ما بينهم. كل واحد يتهم الآخر. وجميعهم على حق. وعندما يفكر أحدهم في مخاطبة الناس أنفسهم، يقف دولة رئيس الوزراء ليبلغنا ان حكومته حققت 97% من واجباتها خلال مائة يوم. عجائب عجائب ومعجزات. تخيّل في أي بلد سوف نكون في المائة يوم الثانية، والثالثة، ووليم الرابع، ولويس الرابع عشر؟

“ولا في الخيال” كما تغني يسرا. لم نعد قادرين على تخيل أي شيء. نحن بائسون حقاً، لكننا لسنا مغفلين. “العالم كلو عارف الحقيقة” كما قال “محسوبكم سعد” أمام البرلمان المتنقل، لزوم التباعد الاجتماعي، في بلد ميزته الكبرى التقارب السياسي والوطني والفكري والعائلي!

تخطر لنا هنا على الفور وفادة الشيخ بهاء الحريري الى وطنه الأم وقت يبحث البلد عن منقذ فوق العادة. وبأي خبرة يهل الشيخ بعد ربع قرن على ضفاف بحيرة ليمان، منكباً على دراسة التجربة السويسرية، بكل جوانبها وجوارحها وارهاصاتها. ملك التوقيت، الشيخ بهاء. كان لبنان برمّته قد نزل الى الشوارع والساحات والجسور بحثاً عن قائد يقود الطريق الى الجمهورية الجديدة. ويبدو ان ثمة من أبلغ الشيخ المسألة، فكان ان هب بكل الكاريزما ملبياً نداء الشعب. لكنه وجد الشعب عند الفرع المقيم، والعامل، والطيب، من العائلة.

خُيِّل الشيخ ان النزول على اللبنانيين من فوق، اصبح عادة سهلة مالوفة. هاتوا اكتافكم، يمنحونك ظهورهم. أتخيل يا شيخ بهاء، أن ذلك لم يعد ممكناً هنا. الناس تعيد النظر في أحكام التوريث، عند جميع الطوائف. أعرف ان ثقافتك العامة، خارج الاقتصاد المباشر، انتقائية. لكن دعني انقل اليك ما قاله المسيح يسوع بن مريم: طوبى للبسطاء لأنهم يرثون ملكوت السماوات.

طوبى للبسطاء والطيّبين والصادقين في العائلات اللبنانية السياسية، فهم من سوف يرث ما يستحق. أولئك الانقياء في قلوبهم وفي تواضعهم وفي ترفعهم عن المتاجرة بذرة تراب من أرض لبنان.

لبنان ليس كرسياً تتقاذفه التوافقات. إنه، أولاً وأخيراً، ميثاق بين متعاهدين، وليس ورقة بين متراضين.

لم يكن قط نموذجياً أو كاملاً أو مثالياً. بل غالباً ما كان مزاجياً مثل أهله. لكن كلما ضاع، كان يلقى دوماً طريق العودة. وقصار النظر ليسوا في حاجة الى من يكشفهم. سرعان ما يصطدمون بكل شيء. حتى بأعمدة الإثارة. حتى بأنفسهم. سرعان ما تسقط الأغطية وتتعثر الألسنة بما فاضت. ولا يبقى للوطن سوى صدّيقيه.

لا يلام الرئيس دياب في البحث عن أي انجاز يطلع به على الناس. لكنه يلام على الاستعجال. من يلومك إذا لم تعثر على شيء في هذا الركام الكبير. وما حاجتك في الانضمام الى مبكى “ما خلّونا”. كلها مائة يوم. لا عجلة في هذا البلد. تأليف الحكومات ينتظر. وانتخاب الرئاسة ينتظر. وانهيار السدود أمر طبيعي مثل باقي الوقاحات البلقاء. وإذا كنت لا تصدق نصدر لك بياناً في ذلك. أجل. من طبيعة سدود المياه ان تجف وأن تهوي.

دولة الرئيس، الناس لا تتوقع العجائب من البشر. كل ما نريد ليرة مستقرة وبلداً آمناً وقضاءً يُسمح له بأن يكون تابعاً للقضاء.

(1) “بار السان جورج”، سعيد أبو الريش، (دار رياض الريس للنشر).