//Put this in the section

مخاض الولادة! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

مع استمرار التوسع الكبير للرقعة الجغرافية المتعلقة بأحداث الشغب والمظاهرات، التي حصلت في أعقاب مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد على أيدي رجال الشرطة بطريقة عنيفة، تزداد الحدة في نبرة الاتهامات الموجهة من قطبي السياسة الأميركية، الحزبين الديمقراطي والجمهوري، للمسؤولين عن هذه الأحداث.

فالرئيس الأميركي دونالد ترمب ورفقاؤه في الحزب الجمهوري يوجهون أصابع الاتهام بشكل رئيسي إلى القوى اليسارية المتطرفة، وحراكها المعروف بالـanarchists التي تسعى لإحداث الفوضى العارمة كوسيلة لإحداث التغيير. وفي المقابل، يوجه الحزب الديمقراطي أصابع الاتهام إلى أعضاء اليمين المتطرف العنصري والنازية الجديدة والمجموعة الأعم المعروفة باسم الـglobalists التي تؤمن بوحدة عالمية تحكم العالم، وتؤمن على المدى الطويل بإضعاف الدول وإسقاطها. هذا على صعيد المشهد الداخلي الأميركي، ولكن المشهد الدولي يترقب تحولاً جذرياً مهماً قد يكون بسببه تسريع لولادة نظام عالمي جديد. آخر مرة سمعت فيها هذه الجملة المبشرة بولادة نظام عالمي جديد كانت على لسان جورج بوش الأب عقب سقوط الاتحاد السوفياتي ونشوة معسكر الرأسمالية الليبرالية الغربية بالانتصار الكبير الذي طال انتظاره على الخصم اللدود. ولعل آخر نظام عالمي جديد حقيقي كان الذي أسسه الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت، الذي كان يستعد للاحتفال بانتصار قوات التحالف في الحرب العالمية الثانية، التي حسمها ثقل وقوة التدخل العسكري الأميركي لمصلحة الحلفاء، عندما قام بدعوة 44 دولة مختلفة في مدينة بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الصغيرة. قاد الاجتماعات وزير الخزانة حينها الأميركي هاري ديكستير وايت، ونظيره البريطاني الاقتصادي البارع جون ماينارد كينز، والغرض الحقيقي لهذه الاجتماعات كان تأسيس منظومة مالية عالمية برؤية وسيطرة أميركية تامة، تخرج بريطانيا (القوة العظمى القديمة) من المعادلة تماماً. ومن خلال هذه الاجتماعات تم تأسيس البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكان الغرض من إنشاء الكيان الثاني هو التأكد من أن أسعار الصرف لا تتم «السيطرة وتحريكها» سياسياً لأجل أغراض تنافسية، والأهم أن الأنظمة الطاغية والديكتاتورية لا يمكن أن تقوم «بالشراسة الاقتصادية» ضد جيرانها.




هذا السرد قدّمه بشكل مثير ومشوق الكاتب الأميركي بن ستيل في كتابه الممتع «معركة برتون وودز وصناعة نظام عالمي جديد». والآن من الواضح أن هناك توجهاً أميركياً لتشكيل تكتل يوسع مجموعة السبع الاقتصادية، لتصبح مجموعة العشر الديمقراطية، ولتكون الواجهة التي تجمع أهم الدول التي تؤمن بنفس الحقوق والحريات الديمقراطية في العالم، في مواجهة الصين، لأنه بات من الواضح أن هناك مواجهة بين فكرتين، وليس بين اقتصادين. إنها مواجهة بين الشيوعية بغطاء رأسمالي خدّاع بلا حقوق ولا حريات، مقابل أنظمة تؤمن بالعكس تماماً. هذا يقتضي بناء فلسفة سياسية جديدة، لأن الظروف تغيرت تماماً، وظهرت الأسباب المؤيدة لذلك التوجه، بما يكفي خلال أزمة جائحة «كوفيد – 19» الحالية والتداعيات المتواصلة لها.

في كتابه الشهير «صدام الحضارات» وضّح المؤرخ الأميركي صاموئيل هانتنغتون أن الصراع القيمي القادم سيكون مع الصين الكونفوشيوسية، وسبقه إلى نفس النتيجة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتبه المختلفة. وعلى ما يبدو أن اللحظة الحقيقية قد حانت، ومخاض ولادة نظام عالمي جديد قد بدأ في التشكل.

إنه نادٍ جديد بشروط عضوية صعبة، ولا يحتمل فيه الموقف الحيادي الرمادي، فهناك خريطة جديدة للمصالح والتحالفات ترسم الآن، ولن يكون غريباً أو مفاجئاً اكتشاف مواقف جديدة ومختلفة لكثير من الدول.