//Put this in the section

الترخيص لمصارف جديدة: 5 مسامير في نعش القطاع المصرفي؟

سلوى بعلبكي – النهار

لعقود خلت “تدلّلت” الدولة على القطاع المصرفي فلم يبخل عليها بالتسليف والتمويل ومدَّها بمزيد من الضرائب على الفوائد والعمليات المصرفية، اضافة الى الضرائب المعتادة التي تسدد على الأرباح نهاية كل سنة مالية، ليبلغ مجموعها نحو ثلث الايرادات السنوية للدولة. واستمر “دلع” الدولة بالاستلاف حتى وصلت، وأوصلت القطاع المصرفي معها، إلى مأزق ابتلاع سيولته وودائع عملائه كما احتياطات مصرف لبنان وإهدارها على قطاعاتها الفاشلة كالكهرباء مثلا وفوائد الديون المتراكمة وتمويل انتفاخ فاتورة رواتب القطاع العام. وحين حزمت الدولة أمرها بعد انفلات سعر الصرف من عقاله وانفجار الحراك الشعبي الذي هدد بتفلّت الوضع الامني، لم تبادر الى محاولة انقاذ القطاع المصرفي الذي يشكل علميا الركن الاساسي الاول في بناء أي اقتصاد، ويساهم بحكم وظيفته ودوره وعلّة وجوده في تحريك عجلة النمو والانتاج وحماية النقد الوطني، بل وضعت خطة قيل إنها لـ”الانقاذ الاقتصادي” تفرّدت في صياغة مسودتها، ولم تشرك المعنيّ الاول بإدارة سوق النقد ومراقبة المصارف، كأننا بها تقول “الأمر لي” ولست في حاجة الى اي استشارة وأنا الادرى بالصالح العام ومستقبل الاقتصاد. ولم تكتفِ بعزل القطاع المصرفي ومصرف لبنان فحسب، بل أقدمت في خطوة ملتبسة على تمرير بند في الخطة “الانقاذية” يقضي بإنشاء 5 مصارف جديدة برأس مال 200 مليون دولار لكل منها يُفترض أن يكون نصفها أموالاً جديدة (Fresh Money)، ما يعني أن الدولة تسعى الى تنفيذ حكم الإعدام البطيء بالقطاع المصرفي الراهن الذي تحمّل ثقل الدين العام ولم يرتكب إلا خطأ واحداً هو الإمعان في تمويل هذه الدولة الفاشلة، مراهناً على مبادرة السلطة السياسية في اصلاح الثقوب السوداء في الموازنات ووقف الهدر والتسيّب في المالية العامة، ولم يعانِ من نقص في السيولة إلا عندما تمنّعت الدولة عن تسديد ديونها له.




5 مصارف ستنشأ لا أحد يعرف إلا من مرّر هذا البند، هوية مالكيها ومساهميها ومموّلي رأس مالها. فالمعلومات المسربة حتى الآن تفيد بأن الرخص العتيدة بدأ توزيعها في الغرف السوداء طائفيا ومذهبيا وسياسيا كعادة أهل السلطة في المحاصصة. ووفق المعلومات ايضا أن هذه المصارف لن تكتفي برؤوس الاموال المحلية بل ستكون لها امتدادات اقليمية ودولية تعزز ملاءتها تبدأ بقطر وتصل الى طهران مرورا برجال اعمال مقربين من الولايات المتحدة ومقيمين فيها، وانتهاء بتمويل من مجموعات ناشطة اقتصاديا ما بين لبنان وأفريقيا، فيما الاتصالات لا تزال ناشطة لتكوين رأس مال للمصرف الخامس من مجموعة رجال أعمال من احدى المدن اللبنانية، اضافة الى مشروع زيادة رأس مال لتعويم أحد المصارف العاملة حاليا وهو مصرف جديد، لتكتمل حلقة المحاصصة على قاعدة 6 و6 مكرر.

فما هو دور هذه المصارف؟ وكيف ستعمل؟ يرى البعض في المصارف الجديدة مشروعاً تدميرياً للقطاع المصرفي اللبناني العريق انطلاقاً من حقيقة أن هذه المصارف ستدخل الى السوق اللبنانية نظيفة ومتحررة من أي ديون هالكة أو اي أعباء متراكمة، وليس لديها اي ودائع محتجزة في مصرف لبنان أو سندات أوروبوندز أسيرة عجز الدولة.

ماذا يعني ذلك عملياً؟ وفق مطلعين فإنه في حال باشرت هذه المصارف عملها في السوق اللبنانية، سيبادر عشرات الآلاف من اللبنانيين والشركات ورجال الاعمال فورا الى فتح حسابات لهم فيها، إذ ان هناك سيولة مقدرة ما بين 5 الى 7 مليارات دولار نقداً ستنتقل من خزائن وخزنات المواطنين في المنازل والشركات لتودع في هذه المصارف، وذلك بعد ان يتثبت هؤلاء من ملاءتها ونظافة قيودها من أي ديون أو اعباء هالكة. ووفق أصحاب هذا السيناريو فإن المصارف ستبدأ بمنح عملائها كل التسهيلات والقروض والتسليفات وبطاقات الائتمان والاعتماد والكثير من الخدمات المصرفية التي تعجز المصارف الحالية عن منحها بسبب فقدان السيولة، وتمنّع الدولة عن تسديد ديونها للقطاع المصرفي، وستبدأ هجرة جماعية لعملاء المصارف القديمة الى المصارف الجديدة بما سيؤدي حتماً الى هلاك المصارف الصغرى في المرحلة الاولى، تليها المصارف الكبرى التي سيتقلص عديد موظفيها وعدد فروعها لتنتهي إما بالاقفال وإما بالدمج القسري، وستختفي الودائع تدريجا بسبب العجز، ولن يتبقى أمام المودعين إلا فتات ما ستعوّضه عليهم مؤسسة ضمان الودائع.

ويرى هؤلاء أن هذا هو التصور المنطقي للأمور الذي سيحصل خلال سنوات عدة إذا توغلت الحكومة في مشروعها هذا ولم تلتفت الى الضرر الذي سيغير وجه لبنان الاقتصادي ويشطب قطاعا برمّته. 5 مصارف جديدة ستأتي بها الدولة ستكون بمثابة 5 مسامير تُدقّ في نعش المصارف العريقة، في وقت انتظر اللبنانيون خطة اقتصادية ومالية تعيد ترميم الثقة بالمصارف الحالية وبالقطاع المالي، وتسعى الى تحريك عجلة النمو والانتاج والتعجيل بالاصلاحات الضرورية لمكافحة الفساد واسترجاع الثقة، واعادة تنظيم ما ظهر من خلل داخل القطاع وهيكلته على قواعد علمية لا “لبننته” سياسيا وطائفيا وتحاصصيا، ونحر مؤسسات لطالما تفاخر اللبنانيون بمهنيتها وحرفيتها وتقدمها وكانت الرافعة الأساسية للإقتصاد قبل الحرب، وحاميته إبانها، وممولة إعادة الأعمار بعدها.

في مقابل هذا السيناريو، ثمة مصادر مصرفية تقلل اهمية إنشاء هذه المصارف، وتسأل عن الهدف من تغييب مصرف لبنان عن هذه الخطط، وتجزم بأن لا مصارف ستدخل الى السوق اللبنانية، إلا إذا عادت الثقة والتزمت الدولة ومؤسساتها ومصرف لبنان والمصارف كلها إعادة أموال الناس أو على الاقل طمأنتهم الى أنها في أمان. وتعرب عن اعتقادها أن خطة الحكومة ليست نهائية وستتغير على وقع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. أما عن “تصور” الخطة بإنشاء 5 مصارف جديدة، وإن كانت لا تزال آلياتها غير واضحة برأيها، إلا أنها قدرت أن تكون هذه المصارف متخصصة قطاعيا (زراعة، صناعة، سياحة…). ومثل هذه المصارف متبعة في الدول الشيوعية أو تلك التي اقتصادها موجّه. ولبنان لم يكن غائبا عن هذه التجربة التي تمثلت بمصرف الانماء الصناعي الذي كان يؤمّن تسليفات صناعية وزراعية، لكنه لم ينجح مع توافر الخدمات عينها من المصارف التجارية، لتخلص المصادر الى انه “ليس ثمة جدوى اقتصادية من انشاء مصارف متخصصة، خصوصا اذا كانت ملكيتها للدولة المعروفة بفشلها في الإدارة”. وإذ استغربت التعويل على إمكان جذب أموال للاستثمار في هذه المصارف في ظل أجواء عدم الثقة، عادت المصادر واستدركت بالقول “إلا اذا كان التمويل هو من الدولة نفسها، ولكن السؤال من أين ستأتي الدولة بالأموال وهي في حالة إفلاس؟”.

لا يخفي الخبير المالي والاقتصادي جو سروع اقتناعه بأن خطة الحكومة لاعادة هيكلة القطاع المصرفي هي “خطة راديكالية”، وأن النية بالترخيص لخمسة مصارف “ليست بهذه البساطة”، ويضيف: “ليس بهذا الشكل يتم إنشاء مصارف جديدة، إذ ثمة قوانين ونظم يفرضها المصرف المركزي، كما انها تحتاج الى خطة عمل وهيكلية ادارية”.

وبصرف النظر عما اذا كان بإمكان هذه المصارف تأمين 200 مليون دولار لكل منها 50% منها Fresh Money و50% ايداعات، فإن ما يُستشف من هذه الخطة ان “لا ثقة حاليا بالقطاع المصرفي وأنه في حاجة الى وقت لاستعادتها”، لذلك ارتأوا إنشاء مصارف جديدة. ولكن السؤال الجوهري الذي يطرحه سروع هو: كيف ستعيش هذه المصارف الجديدة؟ وفي حال سلّمنا جدلاً انه تم تأمين 100 مليون دولار، يسأل سروع من اين ستتأمن الودائع؟ فالودائع الموجودة حاليا في القطاع المصرفي غير سائلة… ولنفترض ان الاتكال على “الكاش” المخبأ في المنازل، فمن سيقنع اصحابها بإيداعها في المصارف؟ المشكلة الاساسية برأي سروع هي مشكلة ثقة بالدولة وهو ما تجاهلته الخطة، خصوصا في ظل وجود مقاومة تاريخية للاصلاح، و”هذا هو المأزق الاساسي للصناعة المصرفية والمالية في لبنان”.

وإذ أعرب عن اعتقاده أن الذين سيستثمرون في هذه المصارف هم الذين لديهم خبرة مصرفية، اي المصارف التابعة لمصارف عربية أو أجنبية أو فروع لمصارف قائمة، سأل سروع عن “المناخ السياسي والاقتصادي الذي سيشجع على الاستثمار في ظل واقع جيوبوليتيكي ووضع داخلي غير مستقر”، معتبرا انه “من دون اعطاء قيمة ومعنى للاصلاحات ومحاربة الفساد والتعنت السياسي، لن تتحسن الامور ولن يجرؤ أحد على الاستثمار في لبنان”.

إلا أن السؤال الاخطر برأي سروع هو الذي يتعلق بمصير الصناعة المصرفية في لبنان ومستقبلها، إذ حتى الآن لم يطمئن اي من المسؤولين أو المعنيين الناس الى ودائعهم.

اقتراح الحكومة بإعطاء 5 رخص مصرفية ليس إلا من باب جذب الاموال من الخارج، وفق ما يقول الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان، خصوصا انه تم تحديد رساميل هذه المصارف في حدود المليار دولار، على ان يكون 50% من الرأسمال من الخارج.

الهدف من هذه المصارف هو تقديم خدمات غير اعتيادية ومختلفة عن تلك التي تقدمها المصارف الحالية، برأي ابو سليمان، “خصوصا اقراض القطاعات الانتاجية من زراعة وصناعة والقطاع التكنولوجي. ولكن في الوقت عينه لا يمكن القول اننا نريد خفض عدد المصارف وانشاء 5 مصارف جديدة”، معتبرا ان الحل يكون “بتنقية المصارف الحالية عبر دمج المتعثرة منها مع اخرى وضعها جيد والطلب منها اقراض هذه القطاعات الانتاجية والتخلي عن خدمات الريع التي تقوم بها المصارف. بهذه الطريقة نكون قد ساهمنا في تمتين القطاع المصرفي وحمينا المودعين وفي الوقت عينه دعمنا القطاعات الانتاجية التي لطالما كانت مهملة، وذلك بدل إيجاد مصارف جديدة يمكن أن تكون هناك شبهات حول مالكيها أو الاموال التي سترسملها”.