//Put this in the section

الراعي: نرفض تحوَّل عملية تطوير النظام اللبناني إلى ذريعة للقضاء على لبنان

لفت ​البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​ في عظة القاها بقداس أحد العنصرة إلى ان “​لبنان​ كقيمة ثمينة لا يزال يثير اهتمام الاسرة الدولية وهو ليس دولة مستباحة ولا يحق للجماعة السياسية ان تتصرف في شؤون البلاد والمواطنين بقلة من المسؤولية”.

وهذا ما جاء في عظة الراعي:




“مع عيد العنصرة نختتم الزَّمن الفصحيَّ، ونحتفل بذكرى بداية زمن الكنيسة الذي يدوم حتَّى نهاية العالم. لذا، هو عيد البهجة والفرح لأنَّ الرَّبَّ يسوع لم يتركنا يتامى، بل أعطانا البارقليط المعزِّي، روحَ الحقِّ الذي يقودُنا إلى الحقِّ كلِّه، ويفتح أذهاننا لنفهم كلام الله.

إنّ جيلَنا يفتقر إلى الصَّلاة بنوع خاصّ. فالإنسان الذي لا يصلّي، لا يعبد الله بل ذاتَه؛ ولا يصغي إلى صوت الله بل إلى مصالحه؛ ولا يسمع حاجات النَّاس بل أنانيَّتَه ومكاسبَه غير المشروعة؛ ولا يتردّد في أعماقه صدى صوت لبنان الحضاريّ ذي الخصوصيَّة الرَّاقية، بل صدى الرُّوح الطائفيَّة والمذهبيَّة المستوردة والبغيضة. هنا مكمن الفساد السِّياسيِّ والماليِّ والإداريِّ عندنا. وهذا ما أوصلَ بلادنا إلى الإفلاس، وإلى المأساة المعيشيَّة والاجتماعيَّة التي نعيشُها. وهذا ما شوَّه وجه لبنان الشَّراكة والرِّسالة والدَّولة المدنيَّة الوحيدة في الشَّرق، التي تفصل بين الدِّين والدَّولة، من دون أن تفصل بينها وبين الله.

فالدَّولة المدنيَّة في لبنان تحترم جميع الأديان وشرائعها وتضمنها، كما تنصُّ المادَّة التَّاسعة من الدُّستور. فلا دين للدَّولة في لبنان، ولا أيّ كتابٍ دينيٍّ مصدرٌ للتَّشريع المدنيِّ، ولا استئثار لأيِّ مكوِّنٍ مِن مكوِّناته بالسُّلطة السِّياسيَّة بكلِّ وجوهها. أمَّا خصوصيَّة الدَّولة المدنيَّة في لبنان فهي نظامه الدِّيمقراطيّ، وحرِّيَّاته العامَّة، وميثاقه الوطنيُّ للعيش معًا، مسيحيّين ومسلمين، بالولاء الكامل والاستئثاريِّ للوطن اللُّبنانيّ، وهذا الميثاق هو روح الدُّستور، وهو مترجَمٌ في صيغة المشاركة المتساوية والمتوازنة في المؤسَّسات الدُّستوريَّة والإدارات العامَّة.

إنَّنا نرفض أن تتحوَّل عمليَّة تطوير النِّظام اللُّبنانيّ إلى ذريعةٍ للقضاء على لبنان، هذا الخيار التَّاريخيّ بخصوصيَّاته. إنَّ لبنان الدَّولة المدنيَّة والشَّراكة والرِّسالة موجودٌ منذ مئة سنة. فلا يُخترع اليوم من العدم والفراغ. كان لبنان قبل أن نكون، وسيبقى بعدنا. لبنان أمَّةٌ موجودةٌ في التَّاريخ والحاضر، وفي الجغرافيا والوجدان، وقد تأسَّست بالإرادة والنِّضال. وحدها الحقيقة التَّاريخيَّة تبقى، أمَّا الباقي فمرحليٌّ وزائل.

لذا يدعونا الواجب للدِّفاع عن هذا الكيان. لقد نذرنا أنفسنا للبنان حرًّا وللبنانيِّين أحرارًا. معًا يعيشون، ومعًا يقاومون كلَّ احتلال وتعدٍّ بقيادة الدَّولة وشرعيَّتها وجيشها. إنَّ لبنان كقيمةٍ ثمينة لا يزال يثير اهتمام الأسرة الدَّوليَّة، وبالتَّالي ليس دولةً متروكةً ومستباحة.فلا يحقّ للجماعة السِّياسيَّة أن تتصرَّف في شؤون البلاد والمواطنين بقلَّة مسؤوليَّة، وبذات الرُّوح التي أوصلَت الدَّولة إلى الحضيض.

العنصرة حدثٌ متواصلٌ في حياة الكنيسة والمؤمنين. يُعطى عند سماع كلمة الله (أعمال 44:10)، وعندما تجتمع الجماعة للصَّلاة (أعمال 31:4)، كما يشهد كتاب أعمال الرُّسُل عن الجماعة المسيحيَّة الأولى.

إنَّ العلامات المسموعة والمنظورة التي رافقت حلول الرُّوح القدس يوم العنصرة، إنَّما تدلّ إلى فعل الرُّوح في باطن كلِّ مؤمنٍ ومؤمنة يتقبَّله. فهو كالرِّيح يبدّد القشور العتيقة في الدَّاخل، وهو كالألسُنِ النَّاريَّة يعلِّم لغة المحبَّة الجديدة، وهو يُدوِّي إذ يهزُّ الكيان الباطنيّ ويستحِثُّه على التَّغيير.

إنَّنا نلتمس في هذا العيد حلول الرُّوح القدس علينا وعلى كلِّ إنسانٍ، وبخاصَّةٍ على المُصابين بوباء الكورونا ويشفيهم، وعلى الخطأة ليُحرِّرهم من أسر خطاياهم وشرورهم، ويقودهم إلى التَّوبة، وعلى أرضنا فيبدِّد عنها جرثومة الكورونا، وعلى الكرة الأرضيَّة فيقيمها من شللها، وعلى وطننا لبنان فينتشله من حضيض أزماته الاقتصاديَّة والماليَّة والمعيشيَّة”.