//Put this in the section

هل يلغي لبنان اتفاق الطائف؟

سليم نصار – النهار

إننا ذاهبون الى الإفلاس، إن لم تصل المساعدات في الوقت المناسب. الخيار صعب وقاسٍ. فإما أن يتوقف الصناعيون عن دفع ديونهم وفي هذه الحال تفلس المصارف، وإما أن تستعيد المصارف ما قامت به من تسليفات وقروض عندئذ يفلّس الصناعيون. إنها لكارثة في كلا الحالين. لا أدري ما إذا كان السياسيون يدركون خطورة الأزمة الاقتصادية. حتى لو استطعنا فيما بعد تجاوز الأزمة السياسية، فإننا سنصطدم بمأزق اقتصادي. إن لبنان على طريق الإفلاس الاقتصادي والإنفجار الاجتماعي.




أمام ضميري، وشعوراً مني بالواجب تجاه وطني، وتحسساً بالمسؤولية حيال الذين انتخبوني، أجدني مضطراً الى ترك سدة الحكم.

التوقيع: الياس سركيس

10 تموز (يوليو) 1978

تذكرت هذه الحادثة التي رواها كريم بقرادوني في كتابه “السلام المفقود”، وقدمها كمثل على تصرف الرئيس المسؤول في حال تعرض حكمه لأزمة مستعصية. ولما طولب من حلفائه الشهابيين بالتراجع عن قراره، جادلهم بقوله إنه يرد للناس أمانة الثقة بحكمه وحكمته.

بعد انقضاء ثلاثين سنة على تلك الحادثة، وصل الى سدة الرئاسة في لبنان العماد ميشال عون إثر انتظار طويل امتد أمده الى سنتين ونصف السنة من موعد انتهاء عهد ميشال سليمان.

وكان النائب سليمان فرنجية الأوفر حظاً لملء الشغور بتأييد من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي وعدد كبير من النواب.

وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان فقد أعلن زعيم تيار “المستقبل” سعد الحريري دعم ترشيح رئيس “تكتل التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية ومن مقر إقامته، قدم الحريري مطالعة مسهبة عرض خلالها حيثيات هذا الخيار الانقلابي. وشرح للحاضرين الدوافع الموجبة التي شجعته على تأييد عون للرئاسة، خلاصتها: “اتفقنا بكل صراحة أن أحداً منا لن يطرح أي تعديل على النظام القائم قبل حصول إجماع وطني حول هذا الأمر. ومثل هذا الموقف ينطلق من الإجماع الذي كتبناه في دستورنا، أي دستور الطائف، على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء، وأن كل اللبنانيين يرفضون التقسيم والتوطين. وفي آخر الأمر اتفقنا على تحييد دولتنا بالكامل عن الأزمة في سوريا الى حين تنتهي، ويتفق السوريون على نظامهم ودولتهم، نعود الى علاقات طبيعية معها”.

عقب الانتهاء من إلقاء خطابه، وصل النائب عون يرافقه صهره جبران باسيل الى مقر “المستقبل.” وعقد عون خلوة مع الحريري شكره فيها على موقفه المؤيد، ووعده برئاسة الحكومة مدة ست سنوات!

على الرغم من الفرح الذي انتاب جبران باسيل الذي إطلع على قرار سعد الحريري، إلا أنه بدا مشوش الذهن وهو يراجع في ذاكرته الانتقادات اللاذعة التي وجهها الى اتفاق الطائف. وهي انتقادات جارحة أظهرت بوضوح قسوة الحملة السياسية التي شنها جبران أثناء الانتخابات النيابية لدورة سنة ٢٠٠٩.

ففي إحدى جولاته داخل منطقة بيروت الثالثة، حرص وزير الاتصالات باسيل على رفع شعار “الجمهورية الثالثة” بإسم “التيار الوطني الحر.” ثم هاجم اتفاق الطائف قائلاً: “ليس هناك مواطن واحد يدعي السعادة داخل الجمهورية الثانية لكي يتمسك بها. هذه الجمهورية التي أسسها اتفاق الطائف، وهي جمهورية فاسدة ومبنية على الفساد كونها عطلت آليات الحلول في المؤسسات. نعم، نحن نعتز بأننا سنطلق الجمهورية الثالثة… جمهورية الإصلاح والتطور والتغيير. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بد من محاسبة المسؤولين عن التعديلات المذلة.”

ومن المؤكد أن حملة جبران باسيل كانت مستمدة من موقف العماد عون الذي اجتمع بالنواب المسيحيين قبل سفرهم الى الطائف، وحذرهم من قبول أي مشروع دون أخذ موافقته.

وكان أكثر المتحمسين لدعم موقف عون صهره جبران الذي عاب على النواب المسيحيين قبولهم تقليص صلاحيات الرئيس الماروني، وإناطة سلطاته الإجرائية بمجلس الوزراء ورئيسه السنّي.

في الفصل الثاني من سيرة حياة العماد ميشال عون، نجده يغادر القصر الجمهوري الذي سكنه منذ إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل. وكان ذلك عقب غارة جوية شنها الطيران الحربي السوري بموافقة الرئيس اميل لحود. ولقد اضطرته كثافة النيران الى مغادرة القصر بملالة عسكرية نقلته الى السفارة الفرنسية حيث كان ينتظره السفير رينيه الا.

الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أعلن من باريس أن الدول التي تآمرت على صديق فرنسا – وبينها اميركا وسوريا – ستدفع ثمناً باهظاً.

وفسر المعلقون الفرنسيون موقف ميتران المتشدد بأنه مستمد من موقف المزايدة على خصمه السياسي الجنرال شارل ديغول الذي أمضى في لبنان سنتين. ومن أجل الإعراب عن احترامه للبنان الذي يريده ميشال عون، أمر ميتران القوات المسلحة بإرسال بارجة حربية نقلت الجنرال الى مارسيليا.

ولقد أمضى في تلك المدينة مدة طويلة حلّ خلالها ضيفاً على البلدية التي أنزلته في قصر تاريخي كان يملكه أحد أمراء فرنسا. ولقد خصّته البلدية بمعاملة استثنائية وحراسة دائمة وتأمين كل ما يحتاجه من طعام وشراب.

بعد انقضاء تلك الفترة نُقِل عون مع عائلته التي انضمت اليه في باريس الى حيث عومل كرئيس منفي وليس كرئيس مخلوع. ولقد أمنت له الدولة الفرنسية حراسة دائمة، مع سكرتير لضبط المواعيد الرسمية.

وهكذا أمضى عون في منفاه الفرنسي (الدائرة ١٧ – قرب حديقة مونسو) خمس عشرة سنة. وفي زاوية منزله الهادئ كان يصرف معظم وقته بالمطالعة وإجراء أحاديث صحافية ومقابلات تلفزيونية. وربما اعتقد أن تلك النشاطات الإعلامية هي التي أبقت قضيته حية… وهي التي جعلت رجوعه الى لبنان سنة ٢٠٠٥ موضع مساومة من قبل محازبي سوريا في باريس، إضافة الى أصدقاء “حزب الله”.

بعد مرور سنتين ونصف تقريباً ظلت كرسي الرئاسة تقترب من عون ثم تتراجع. وفجأة، ظهر سعد الحريري ليمثل دور رياض الصلح، مُحققاً أمنية الجنرال الذي يرى في نفسه نسخة جديدة عن بشارة الخوري. والطريف أنه خلال الولاية الأولى للشيخ بشارة تناوبت على الحكم تسع وزارات كانت بينها ست وزارات برئاسة رياض الصلح!

وبسبب الصهر جبران باسيل، لم يستطع الجنرال عون تحقيق وعده، فإذا بالرئيس سعد الحريري ينتهي في زعامة المعارضة… وإذا بأخيه بهاء الحريري ينتهي بين منافسيه على زعامة الطائفة السنيّة… وزعامة آل الحريري!

بقي السؤال المحيّر حول السبب الموجب لاستدارة ميشال عون، والاعتراف بشرعية اتفاق الطائف الذي تحول الى “وثيقة الوفاق الوطني،” (٢٤ تشرين الأول – أكتوبر ١٩٨٩).

ومن هذه الوثيقة صدر دستور لبنان الجديد الذي قضى على صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني. علماً أن عون تعهد باسترجاع هذه الصلاحيات في حال دخل الى القصر الجمهوري .

ويُستدَل من الحديث الصحافي الذي أجرته كبيرة المذيعات في “إذاعة النور” مساء الثلثاء الماضي مع أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله، أن هناك احتمالاً بإقامة مؤتمر يصار خلاله تعديل اتفاق الطائف. ومن المؤكد أن الرئيس عون سيطالب بتعديل صلاحيات رئيس الجمهورية.

وفي مطلق الأحوال، فإن المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان نادى مطلع هذا الأسبوع بإسقاط صيغة الطائف واستبدالها بصيغة لا تقبل بقادة من أمثال بشارة الخوري ورياض الصلح.

لماذا؟

أكمل المفتي الجعفري يقول: لأن البلد سقط، مع دستوره الفاسد، وآلية الحكم فيه فاسدة، وطائفيته فاسدة… ومشروعه السياسي فاسد!