//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

لماذا حكومة غير مقنِعة في أصعب الاوقات؟ – مروان اسكندر – النهار

المخاوف التي يبعثها هذا الوقت بتحدياته الاقتصادية والمالية والصحية والاجتماعية تغلّف آفاق المستقبل بالسواد.

رئيس حكومة محط أمل بتكريس رجل اكاديمي منزّه يغتاب هو نفسه سمعته حينما يطالب بعنف بإخضاع المصرف المركزي لعملية محاسبة من قِبل شركات عالمية متخصصة، وهو تلقّى قبل اسابيع التقارير المحاسبية من شركتين عالميتين عن السنوات الخمس 2015-2019.




الحكومة الجديدة حصلت على ثقة بسيطة وإن كافية لتسيير شؤون البلاد، وصرح اكثر من عضو من اعضائها بان الارقام الدقيقة لم تتوافر من المصرف المركزي، والحكومة نفسها تعلم ان قرارات المجلس المركزي لمصرف لبنان هي التي تقولب العمل في وجه العاصفة، والحكومة مثل سابقتها لا تتفق على خيار اربعة نواب للحاكم كي يكتمل عمل المجلس ويصار الى اتخاذ قرارات بغالبية اربعة اعضاء.

ممثلو الحكومة مع ممثلي مجلس النواب يتفقون على مشروع ضبط التحاويل الى الخارج وسقوف السحوبات لأصحاب الودائع، ويعتبرون تطبيق مشروع القانون اذا حاز موافقة مجلس النواب، عملية تخضع لمراقبة لجنة الرقابة على المصارف التي تتمتع باستقلالية عن نواب الحاكم والحاكم، والفراغ يمنع المجلس المركزي من الانعقاد، وكذلك الحال مع لجنة الرقابة التي انتهت ولاية اعضائها قبل اشهر وما زالت الحكومة عاجزة عن تسمية فريق جديد للاشراف على حسابات المصارف وسياساتها، وقد اغرقتنا جمعية المصارف بتعاميم غير قانونية استُخدمت لتحقيق ما يسمى الـHaircut اي بمعنى آخر استلاب بعض الودائع عبر التزام السحوبات بسعر غير واقعي للصرف عُدِّل أخيرًا ولا يزال تطبيقه انتقائياً.

اننا نتحدث عن خطوات يفترض ان تكون روتينية لولا غلبة نزعات المحاصصة، وكيف لا تستمر هذه التوجهات المؤذية ما دام هناك 15 وزيرًا يصوّتون على البحث في انجاز معملَين لانتاج الكهرباء احدهما كان قد تقرر انشاؤه عام 2013 وتعثّرانجازه لعدم امكان الاتفاق على استحقاق او عدم استحقاق ضريبة القيمة المضافة على قيمة العقد. والواقع ان الضريبة لو استحقت لكانت سُددت من وزارة الطاقة الى وزارة المال، فأين كان الاشكال وقد اصبحنا معرضين لجزاء ربما يبلغ 200 مليون دولار قد تقرره مجريات التحكيم في لندن؟

الامر الغريب ان وزير النفط، مخالفًا تصويت 15 وزيرًا لحجب الاهتمام عن معمل ثالث في سلعاتا، يقول ان معمل دير عمار ملزَّم لاحد رجال الاعمال من اصحاب الجنسيات المتعددة والتاريخ المقلق. والواقع ان الافصاح عن هذا العقد لم يتوافر حتى تاريخه، وكان وزير الطاقة السابق قد تحدث عن قرب انجاز الاتفاق.

كذلك الافصاح عن عقد ما بين وزارة الطاقة وشركة غير معروفة اعطيت مسؤولية تسيير معمل الزوق ومعمل الجية، وطاقة المعملين 900 ميغاواط لن يتوافر منها خلال اشهر الصيف اكثر من 700 ميغاواط، وتالياً فان الحاجة الى الكهرباء ستصبح اشد واقسى خلال الصيف.

كل اتفاقات وزارة الطاقة ووزرائها الثلاثة بالتتابع: “القيصر” كما وصف نفسه في حملته الانتخابية في بعبدا، ووزيرة التدرج في معرفة مشاكل الطاقة كما هي اعلنت حينما صرحت بانها لا تعلم بتوافر ميزانية لانجاز ترفيع تجهيزات معمل الزوق، والوزير الحالي الذي يدّعي ان معملي دير عمار والزهراني انجزا لاستخدام الغاز وليس المازوت، والواقع ان المعملين انجزا بمواصفات تسمح باستعمال اي من اللقيمين، ورفيق الحريري بنظرته المستقبلية وقّع اتفاق استيراد الغاز لكفاية حاجات دير عمار عام 2004 مع مصر – الدولة المصدرة للغاز – والسلطة الفلسطينية والاردن وسوريا، وانجاز خط لتسليم الغاز من التدفق من مصر الى سوريا عبر الخط الممتد من حمص الى دير عمار، وقد انجز عام 2004 وتلقينا كميات من الغاز لتشغيل دير عمار حتى تاريخ اغتيال الحريري وتصاعد النقمة على الوجود الكثيف للجيش والمخابرات السورية في لبنان.

السوريون فجأة اعلنوا انهم بحاجة الى الغاز، ولديهم انتاج منه هو تحت سيطرة الاميركيين حاليًا، واغتيال الرئيس الحريري سبق انهيار الحكم السوري بـ6 سنوات كان بالامكان الحصول خلالها على الغاز. لكن العلاقات اللبنانية – السورية لم تكن مستقرة، فالسوريون اعتبروا لبنان بلداً تابعاً لمشيئتهم منذ 1976 وحتى انسحابهم القسري اواخر نيسان 2005، ومن بعد وعلى نحو مفاجىء عرفنا ان جميع السوريين الذين كانوا يشرفون على الشأن اللبناني، غيّبهم الموت سواء انتحارًا كغازي كنعان، او دعسًا بأقدام الشعب السوري كما حصل مع رستم غزالة، الذي سرق 43.5 مليون دولار بواسطة بطاقة السحب الالكتروني من “بنك المدينة”، او صهر آل الاسد آصف شوكت، او رئيس استخبارات سلاح الطيران الذي اغتيل في شاليه على الشاطىء السوري بقذيفة اطلقها محترف من البحر من مسافة نحو كيلومتر.

السوريون لم يتعاملوا مع لبنان واهله على اساس التكافل والتضامن، بل كانوا دومًا يعتبرون لبنان مصيدة للمنافع وتهريب مشتقات النفط من لبنان الى سوريا منذ عام 2013، والعقوبات المفروضة على سوريا ادت الى استنزاف نصف الاحتياط اللبناني الذي كان متوافرًا حتى عام 2015، ومن بعد ومع توقع انتخاب رئيس لبناني وثيق الصلة بالسوريين بدأ عجز ميزان المدفوعات اللبناني يتصاعد.

لا شك في ان علاقة موسعة اقتصاديًا وسياحيًا وعلى صعيد الاعمال والانتاج ما بين سوريا ولبنان مفيدة للبلدين، لكن هذه العلاقة كي تكون كذلك يجب ان تستند الى قواعد تحفظ حقوق الطرفين وتمنع اي طرف من التعرض لمصالح الطرف الآخر، كفرض رسوم باهظة مثلاً على شحنات منتجات لبنانية عبر سوريا الى العراق والخليج العربي.

الحكومة اللبنانية حائرة في اختيار خطوات التصحيح والتنشيط. فالخطة الموضوعة ليست خطة متكاملة، وكل الحديث الذي نسمعه يتمحور على كيفية حصر الاضرار، ولا حديث عن الانتاج، ولا عن الازمة المقبلة حينما لا تحوز ضمانات الاستيراد الصادرة من المصارف اللبنانية التزامات مصارف الدول المصدرة للبنان.

لقد شهدت الـ100 يوم الاولى من تسيير الحياة العامة من قِبل الحكومة نشاطًا واحدًا يمكن القول انه كان على مستوى الحدث الصحي المأسوي. وزير الصحة يستحق التقدير على جهوده ونشاطه في زيارة المناطق والمستشفيات، لكن النتائج على صعيد النشاط الاقتصادي والمالي كانت بائسة ومخيفة، وتقديرات انخفاض الدخل القومي تفيد عن انحسار بنسبة 40 في المئة عام 2020 لا ما قدرناه سابقًا بـ15-20 في المئة، وتالياً السؤال هو: كيف تستطيع الحكومة بحلول العام 2024 ان تخفض نسبة الدين العام الى الدخل القومي من 175 في المئة حاليًا الى 90 في المئة عام 2024؟ هل يعتبر رئيس الوزراء ان الدين العام سينحصر بـ32 مليارًا هي نحو 90 في المئة من الدخل القومي المنتظر، او هو تخيل ان الدخل القومي سينمو بصورة صاروخية؟

رجاء العودة الى العقل، ورجاء انجاز تعيينات نواب الحاكم واعضاء لجنة الرقابة وتسهيل قرارات القضاة الكبار في التعيينات القضائية. لقد شبعنا الاستنسابية وحان وقت المواجهة الحقيقية.