//Put this in the section

هل ”يُلدع” اللبنانيون من ”جحر” المصارف مرتين؟

سركيس نعوم – النهار

لا يخوض “الموقف هذا النهار” بعمق وتفصيل كبير في الأزمة المالية – النقدية – المصرفية التي انكشفت رسمياً منذ السابع عشر من شهر تشرين الأول الماضي فكشفت رسمياً الدولة العاطلة والمُعطّلة والمفلسة والمنقسمة، وأصابت اللبنانيين بالهلع بعد انهيار عملتهم وفقدان المصارف سيولتها ووقوع مصرف لبنان الكريم جداً ومن زمان معها ومع الدولة والسياسيين والأحزاب والاعلاميين، وأصحاب الحظوظ من المصارف كما المؤثّرين في البلاد من غير أبنائها. والسبب أن هذا الموضوع ليس من اختصاص كاتبه. علماً أن ذلك لا يعني عدم المعرفة وعدم السعي الى امتلاكها من أجل توعية الناس، وليس من أجل الابتزاز والحصول على المال من دون وجه حق.




انطلاقاً من ذلك يمكن الاشارة الى عدة أمور تلافياً لوقوع اللبنانيين في الاستغباء الذي يجرّهم إليه أصحاب الغايات والمآرب الشخصية والانتهازية، وتنبيهاً لهم كي يكونوا واعين وكي يدققوا في كل ما يسمعون ويقرأون في وسائل الاعلام، كما في كل “المشروعات الانقاذية” التي تُطرح للأزمة المذكورة، وتحديداً من الجهات التي تسببت بها بقصد أو من غير قصد، كما من الدولة الغائبة عن الوعي كمؤسسات متنوعة والحاضرة بقوة، بالذين فيها وخارجها في آن، على طاولة السمسرة والفساد والصفقات حيث يغيب القانون وتحل مكانه المصالح الخاصة والفئوية في أحسن الأحوال.

الأمر الأول هو أن المصارف بجمعيتهم ومصرف لبنان ليسا فريقين مختلفين بل هم فريق واحد، قد عملا معاً طوال فترة الأزدهار المزيّف والمفخّخ الذي زعما أنهما عمّماه في لبنان. وسيبقيان واحداً رغم عجز “ساحر” مصرف لبنان عن الاستمرار في موقفه المختلف بل المناقض لموقف الفريق الحاكم “الموحد” حالياً الذي يحمّله مسؤولية أساسية عن الكارثة المالية. وهو عبّر عن ذلك بغيابه عن أول جلسة تفاوض بين دولة لبنان و”صندوق النقد الدولي”، ثم باشتراكه في الجلسة الثانية ولكن بمعطيات ومعلومات وأرقام مختلفة عن التي كانت في حوزة الفريق الرسمي الذي يفترض ان يكون هو جزءاً منه. وقد أعطى ذلك فكرة سيئة للوفد الدولي. ولا يعني تنازل حاكم مصرف لبنان بإعطائه وعداً لرئيس الحكومة، الذي اتخذ موقفاً سلبياً منه منذ البداية لاعتباره إياه جزءاً من سلطة أو من دولة، أنه غير مالك قرار الموقع الذي هو فيه مثل غيره في مواقع أخرى، وربما لاقتناعه بقدرته على التعامل مع صاحب القرار وباستمرار دعم الجهات الخارجية له على المواجهة وتالياً تلافي عدم الانكسار، وهو وعد انزال دولارات الى السوق لاستعادة بعض قليل من قوة الليرة وتزويد مستوردي المواد الحيوية مثل الأغذية والأدوية والمحروقات بما يحتاجون إليه، في محاولة لخفض أسعارها بعدما “صورخت” كما يقال في العامية. فضلاً عن أن هناك عاملاً آخر قد يشجع البعض على اعتبار مصرف لبنان وجمعية المصارف اثنين بعدما كانا فريقاً واحداً، هو تقديم الأخيرة خطة إنقاذ مناقضة للخطة التي تتفاوض الحكومة (الدولة) انطلاقاً منها مع “صندوق النقد الدولي”. ولعل أكثر ما يثير الاستياء في هذه الخطة، عند الذين يفكرون بمنطق وإن كانوا غير الاختصاصيين الذين تَوزَّعهم أطراف الصراع المالي – السياسي – المصرفي للدفاع عن تاريخهم، هو الاستغباء. فخطة المصارف تذهب في شكل أو في آخر الى استعادة الأخيرة أصحاب الثروات من لبنانيي الاغتراب والداخل والمستثمرين وصناديقهم وغيرهم، وإقناعهم بإيداع أموالهم فيها وبالافساح أمامها في مجال إعادة العافية الاقتصادية الى البلاد. كما ترمي الى الادعاء أنها حامية نهضة لبنان في العقود الماضية. ويبدو ان واضعي الخطة لا يعرفون “أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين”. أما اذا كانوا يعرفون ذلك وتمسكوا بطروحاتهم فإن المصيبة ستكون أعظم. ذلك أن المودعين الذين خُدعوا وراحت أموالهم أو هي مهددة بأمر كهذا فقدوا الثقة بالمصارف، وخصوصاً بعدما حوّل أصحابها أو معظمهم أرباحهم الفاحشة الى الخارج قبل وقوع الانهيار وبعده، وبعدما صار سيف الـ”هيركات” مصلتاً فوق الودائع الصغيرة للناس باعتبار أن أصحاب الودائع الكبيرة هرّبوها الى الخارج وبالتواطؤ مع المصارف.

تتذرع المصارف بأنها موّلت الدولة عبر مصرف لبنان، وأن على الأخيرة أن ترد لها أموالها، كما أن على أصحابها أن يطلبوا ودائعهم من الدولة لا منها. وهذا ليس في محله رغم صحته نظرياً. فالمصارف ركضت وراء الفوائد الفاحشة التي أعطائها إياها مصرف لبنان فأودعت أموالها لديه، ودفعها “الربح السريع” هذا الى النوم على حرير كما الى خفض عملها المصرفي الفعلي، وهو تشجيع حركة التجارة والعمران والاقتراض و… طبعاً حاكم المصرف المذكور موّل الدولة وفي الوقت نفسه وضع دولارات المصارف في الخارج (أميركا على الأرجح) بفائدة 2 في المئة حداً أقصى. لذلك فإن السؤال الذي يُطرح هنا هو ماذا ربح المصرف من ذلك؟ علماً أنه يتذرع بأن ما قام به كان لتمويل الدولة المفلسة. عال ولكن هناك مُنظِّم (Regulator) لعمل المصرف. وهناك قانون النقد والتسليف وهو لا يسمح له بتمويل الدولة تلقائياً وكلما طلبت منه ذلك حكومة أو مرجع إلا في نطاق محدد وبنسبة محدّدة. والحقيقة أن الأجوبة عن سؤال كهذا كثيرة ومتنوّعة ومتناقضة. لكنها تشير كلها الى “شهية” منقطعة النظير الى مخالفة القوانين في مؤسسات الدولة الدستورية والادارية وغيرها بغية تحقيق مصالح لا علاقة لها بالوطن، وتحقيق طموحات يمكن الوصول إليها بالعمل الناجح وباتباع القوانين وليس بإشباع شهوات من يصل إليها، وهي متنوّعة وكثيرة ولا سيما في دولة معطّلة فاشلة يمكن تسميتها بـ”حارة كل من إيدو إلو”.

بناء على ذلك على مصرف لبنان “وساحره” كما على جمعية المصارف أن يكونوا أكثر إقناعاً للناس بالصدق الذي هو سبيلهم الوحيد الى النجاح، وليس بالاستغباء والاستخفاف بذكاء العالم والاستمرار في الاعتماد على الطائفية والمذهبية. والطبقة السياسية كلها التي استعملتهما تحقيقاً لمصالحها فدمّرت البلاد والدولة، وأراقت دم الشعب واستباحت أمواله وأملاكه نعم أملاكه بواسطة الفساد المنظّم نعم المنظّم. وفي هذا المجال يخطر على بال الناس سؤال هو لماذا أصرّ مصرف لبنان على دفع سندات أوروبوند مستحقّة قيمتها نحو مليار و200 مليون دولار أو أكثر بقليل في وقت كان ما بقي عنده من دولارات وفي الخارج 20 مليار فقط، وذلك رغم أن أكثر من جهة محلية وخارجية نصحته بعدم الدفع لأنه يزيد من الانكشاف المؤذي، وبالاستعداد للبحث مع حاملي سندات مماثلة في طرق لسدادها لاحقاً. في النهاية لا بد من اطلاع الناس، كي لا ينخدعوا بأحد في هذه الدولة بكانتوناتها العامة وبقطاعاتها الخاصة المتنوعة على أمر قد يقيهم الانخداع مرة ثانية إلا إذا بقوا “غفورين”. وهو أن مصارف عدّة باعت سنداتها من الأوروبوند عندما هبط سعرها جرّاء انكشاف لبنان وبدء الكلام عن عدم سداد ما يستحق من سنداتها. وربما شركة “أشمور” هي التي اشترتها. لكنها عقدت مع الشارين اتفاقات بأن يعطوهم قسماً من الأرباح التي بعد توصلهم الى حل لها مع لبنان. وما يسرّب اليوم عن هذا الموضوع يفيد أن اللبنانيين باعوا سنداتهم أو بعضها بـ30 سنت، وأن الدولة قد تشتريها بعد الجدولة الجديدة بـ50 سنت، وأنهم سيتقاضون ربحاً عن ذلك من الشركة المذكورة. فهل هذا التصرّف، وهو تجاري بحت، يشجع على عودة الثقة بالمصارف والمصرفيين؟ في اختصار نحن لا نعمّم هنا. لكن يجب تنبيه الناس لأن دولتهم وطبقتهم السياسية المتنوّعة ومصارفهم ورجال مالهم بأعمالهم الشرعية وغير الشرعية “أكلوا الحصرم” وهم الذين “ضرسوا”. فهل يريدون تكرار التجربة؟