//Put this in the section

الأسد.. بضاعة موسكو الكاسدة – مصطفى فحص – الحرة

ثمانية أيام تفصل سوريا عن دخول قانون العقوبات الأميركي “قيصر” حيّز التطبيق. العملة السورية في انخفاض متسمر أمام الدولار، حيث وصلت إلى سعر قياسي لم تصله في ذروة الصراع والحرب على ثورة الشعب السوري. ثمانية أيام والرئة اللبنانية المتوقعة لدعم صمود النظام أمام القيصر الأميركي، تعاني من مخاطر انهيار شامل وعقوبات دولية قد تؤثر على استقرار البلدين أو النظامين.

تداعيات القيصر الأميركي على ما تصفه موسكو إنجازات القيصر الروسي منذ 15 يوليو 2015 إلى الآن باتت تهدد بعودة الاحتدام الإقليمي والدولي حول سوريا، خصوصا بعدما فشلت العروض الروسية باستدراج تسوية على رأس النظام، حيث لم يتعد الانشغال الروسي بمستقبل الأسد اهتمام بعض مراكز الدراسات والصحف العالمية المهتمة بالشأن السوري دون اهتمام واضح من صناع القرار في البيت الابيض أو في بعض العواصم العالمية المؤثرة في الأزمة السورية.




على ما يبدو أن إخفاق الروس في مشروع المبادلة أو التسوية على رأس النظام أو على شكل النظام، دفع الكرملين إلى إعادة خلط الأوراق من جديد والاستعداد إلى ما هو أصعب، نتيجة عوامل سورية داخلية كشفت سطحية القراءة الروسية لتركيبة النظام السياسية الاجتماعية والدينية، وفشل الروس، الذين ركزوا على بناء قوة عسكرية موالية في استيعاب هذه التناقضات واستثمارها.

إذ على الرغم من إشارات الامتعاض العديدة التي خرجت من البيت العلوي بسبب محاولات طهران الدخول إلى النسيج الاجتماعي والديني للعلويين، ودفاعهم عن تقاليدهم بوجه هجمة الاستبصار التي قادتها مؤسسات عقائدية إيرانية في المدن والقرى العلوية، فشلت موسكو في استغلال فرصة تعزيز حضورها غير العسكري والأمني داخل بيئة النظام الطائفية تحت ذريعة الحفاظ على خصوصيات المكونات الدينية والعرقية السورية.

سوء التقدير الروسي في زعزعة موقع الأسد والتراجع عنه فجأة، أظهر تخبط موسكو في كيفية التعامل مع أزمة رامي مخلوف وابن عمته، وهي أزمة ستترك أثرها على ما يمكن تسميته بتماسك الجبهة الداخلية. فهذا الخلاف هو أول تناقض حاد يخرج إلى العلن، ليس فقط داخل الطائفة العلوية بل داخل العائلة الحاكمة، الأمر الذي قد يمهد مستقبلا إلى صراع علوي ـ علوي على السلطة والنفوذ خصوصا المالي والاقتصادي في ظل ظروف صعبة تمر بها دولة النظام، نتيجة تأخر التسوية المرتبطة بإعادة الإعمار، وشح المساعدات الإيرانية والروسية و”العراقية”، وما بينهما جائحة كورنا وعقوبات قيصر.

هذا ما كتبه الخبيران الروسيان أنطون مارداسوف وكيريل سيمينوف في مقال بعنوان “روسيا من دون الأسد” نشر في 15 مايو في موقع “Riddle”، استعرضا فيه السجال الذي أثاره رامي مخلوف إضافة إلى الهجمات الإعلامية التي نفذها طباخ الكرملين ضد الأسد، التي اعتبراها مجرد تناقض مصالح بين يفغيني بريغوجين والنظام السوري، حسب ما نقله الخبير في الشؤون الروسية الدكتور بسام المقداد. لكن الملفت في المقال المشترك اعترافهما بأن “روسيا، وخلال السنوات التي انقضت على انخراطها في العملية العسكرية، قد عجزت عن مأسسة وجودها في سوريا، إذ عجزت عن إيجاد قوى مخلصة لها كليا ولوبي سياسي مؤثر يمكن لموسكو أن تستند إليه، وهي تدفع دمشق نحو هذه الخطوات أو تلك”.

وفي الوقت الذي تغامر إيران بمدخرات شعبها، وتتهم باقتطاع جزء من أموال العراق وتعرض لبنان لمخاطر أزمة معيشية تهدد سكانه لأول مرة منذ الحرب العالمية الأولى بالمجاعة، من أجل الحفاظ على سلامة النظام واستقرار منظومته الرئاسية، ترتكب موسكو خطيئة قد تدفع بيئة النظام الطائفية إلى مراجعة حساباتها، حيث من الصعب بالنسبة لها الفصل ما بين “الدولة” النظام وأسرة الأسد، وذلك ضمن اعتبارات تاريخية، أرسى دعائمها الأب المؤسس للنظام الذي قام مبكرا بإقصاء الوجوه العلوية المنافسة وقضى على كافة مراكز القوة العلوية داخل مؤسسات الدولة وحصر ولاءها في عائلة الأسد، ما أدى إلى نشوء علاقة زبائنية ومصالح مكّنت آل الأسد من وضع اليد على الطائفة والدولة.

من الممكن القول إن المحور المتمسك بالأسد قد حقق نقاطا استراتيجية مقابل الأطراف التي حاولت المساومة، لكن صدمة هذا الطرف ليس قوة الأسد أو إمكانية الأطراف المتمسكة ببقائه بل بالطرف الآخر الذي لم يعد يجد بالأسد قيمة ليفاوض عليه.