//Put this in the section

حق المعرفة وأهم سلاح! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

عندما انطلقت التحقيقات في قضية «ووترغيت» الشهيرة ضد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، ركز المحققون على سؤالين مركزيين ورئيسيين هما: ماذا عرف الرئيس؟ ومتى عرف ذلك؟ ويبدو أن اليوم المجتمع الدولي، اليوم يحاصر الصين وقيادتها بهذين السؤالين تحديداً فيما يتعلق بانتشار فيروس «كورونا» على أراضيها ومن ثم على باقي الدول حول العالم.

التصعيد بحق الصين مستمر، فمنذ أيام مرر مجلس الشيوخ المؤثر قانوناً لافتاً ومهماً يقضي بموجبه بإسقاط الشركات الصينية المدرجة في البورصات الأميركية من الإدراج الرسمي فيها. ولم يكتفِ بذلك فاستحدث سلسلة من الشروط الجديدة ضد شركة «هواوي» الصينية، عملاق مجال الاتصالات المعروف، فبعد أن منعت الشركات الأميركية من التعامل معها، اكتشفت السلطات الأميركية أن التعامل لا يزال ممكناً عبر شركات «وسيطة» بفروع في خارج أميركا، ولذلك قررت أميركا اليوم توجيه ضربة قاسمة للمصانع التي تصنع الشرائح الرقيقة التي يعتمد عليها الذكاء الصناعي في منتجات الشركة.




وبالمقابل سنّت الصين قانوناً طارئاً مثيراً للجدل يسمح لها بالتدخل الأمني في أحداث هونغ كونغ المستقبلية، واعتبار ذلك جزءاً من مظلة الأمن القومي الصيني في ضربة واضحة لأنصار الحريات والحراك الديمقراطي في هذه الجزيرة. وبعد تسلم تايوان معدات عسكرية بحرية من الولايات المتحدة أصدرت الصين بياناً تقول فيه إن تايوان هي جزء لا يتجزأ من الصين الأم، وأنها ستسعى لإعادتها بكل الطرق، ولأول مرة لم يتضمن البيان الصيني الدوري كلمة «السلمية» بعد كلمة الطرق، مما يعني أن خيار الصين العسكري في استعادة تايوان بات على الطاولة. وبدأت دوائر صناعة القرار حول العالم في تقييم هذه التصرفات، ووضع السيناريوهات المفترضة، وأن الحروب عادةً ما تبدأ إذا كانت أسعار الطاقة منخفضة وهذا ما يحصل الآن.

وكانت لافتة جداً المعلومات الخاصة بما تمتلكه كل دولة من حاملات طائرات عسكرية مقاتلة، فأميركا لديها 20 حاملة طائرات تعمل ولديها ثلاث أخرى في الاحتياط وثلاث في مراحل التشطيب النهائية من البناء، بينما الصين لا تملك سوى حاملتين فقط. أستبعد حصول حرب عسكرية مباشرة بين قوتين نوويتين، ولكن بقراءة موضوعية للوضع مخطئ جداً مَن يعتقد أن الأسلحة الأميركية المتطورة أهم الأدوات في الترسانة الأميركية الفتاكة، ولكن السلاح الأهم لديها هو الدولار الأميركي. بعد مرور أكثر من 75 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية بقيت هيمنة الدولار على العالم. وهذا أمر مذهل إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصعود الهائل للعديد من الأسواق الناشئة وتدني مستوى الاقتصاد الأميركي بالمقابل، ولكن اليوم مع الأزمة الاقتصادية المالية الخانقة على أميركا سيراقب الخبراء أثر كل ذلك على الاستقرار، وما الذي ستفعله الصين في المقابل لاستغلال الظرف. فهي من جهة تحاول تقديم عملتها كبديل استراتيجي للدولار على المدى «الطويل» لتغطي عدم جاهزيتها الحالية لمنافسة العملة الخضراء، كما أنها ستكون أهم اقتصاد يدعم عملة رقمية عن طريق بنكها المركزي لمنح الخيارات أمام الناس وتقديم لهم البديل عن الدولار.

قيمة أي عملة في العالم في النهاية تعكس «ثقل القيم» الاقتصادية لدولة العملة ونهجها السياسي، ولذلك يراقب الناس المعنيون بالشأن الاقتصادي كيف ستخرج كل من الصين وأميركا من مستنقع «كوفيد 19» الاقتصادي والآثار المترتبة على المدى الطويل بعد ذلك. الصين تدرك أن أمامها إصلاحات سياسية وقانونية واقتصادية عظمى، لتقنع العالم بأن عملتها بديل احتياطي آمن مثل العملات الأساسية الأخرى وتحويل الدولار إلى «سلاح فتاك» والدولار الكندي على سبيل المثال. ولذلك يبدو أن الخطر الأهم على الدولار اليوم لا يأتي من الصين نفسها، ولكن من إدارة أميركا الحالية وكيفية خروجها من الأزمة الحالية الحادة.

حق معرفة ما حصل في الصين بخصوص تفشي فيروس «كورونا» هو حق عام للمجتمع الدولي، لأن الناس باتت بسبب ذلك لا تصدق أي معلومة تصل إليها فيما يتعلق بالجائحة، وبالتالي سيستمر الضغط عليها ويستمر التصعيد الخطابي بين أميركا والصين لتثبيت موقف كل منهما على الآخر. الانتخابات الأميركية عامل مؤثر ولا شك ولكن هناك قناعة متزايدة في المجتمع الدولي أن على الصين تحمل مسؤولية ما حصل، وهذا يزيد من قوة الموقف الأميركي.