//Put this in the section

ثاني مئة يوم من عمر الحكومة لن تكون كما أول مئة بل أسوأ؟

سابين عويس – النهار

لم يتلقف اللبنانيون تعداد رئيس الحكومة حسان دياب لإنجازات حكومته، بمناسبة مرور مئة يوم على نيلها الثقة بكثير من الارتياح او التفاؤل، مدفوعين بانطباعين أساسيين، لا يبدو ان أحداً في السلطة او في فريق المستشارين المحيطين باسيادها، يعيدهما او يأخذهما في الاعتبار عند اتخاذ القرارات المصيرية المتصلة بحياة الناس وامنهم الاجتماعي ورخائهم الاقتصادي.




الانطباع الاول يكمن في عدم تلمس اللبنانين، الغارقين تحت وزر ازمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، تلك النقاط التي عددها دياب ضمن بند الانجازات، فيما هي لا تصلح الا لتكون ضمن المبادرات وحسن النوايا، بما انها لم ترق بعد الى مستوى التنفيذ، بل بدأت تخطو خطوات، في معظمها متعثرة وملتبسة على سكة التطبيق.

اما الانطباع الثاني فتمثل في حجم الهوة التي تفصل بين اللبنانيين والمسؤولين، في ظل استفحال الازمة الاقتصادية والمالية، مع مل ما ترتبه من تداعيات كارثية على مستوى المعيشة بفعل تآكل القدرة الشرائية للاجور ، وبلوغ التضخم نسبة هي الثالثة في العالم بعد فنزويلا وزمبابوي، كما على فرص العمل المعدومة بفعل حجم بطالة مخيف قارب ال٤٠ في المئة من القوى العاملة في لبنان، حيث تردد مراكز الأبحاث والدراسات ان ثمة ما لا يق عن ٤٣٠ الف الف عاطل عن العمل وسط توقعات ان ينضم اليهم ما بين ٢٠٠ الى ٢٥٠ الف عامل في القطاع الخاص، وتحديدا في القطاع السياحي والخدماتي والمصرفي، مع الكلام عن رغبة الحكومة بخفض عدد المصارف الى النصف.

وفي الوقت الذي تقدر فيه هذه المراكز حجم الخسائر اليومية في الاقتصاد ب١٣٠ مليون دولار، بات الانطباع راسخا لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين عن ان المرحلة المقبلة لن تكون اقل سوءاً بل ربما اكثر في ظل توقعات متشائمة حيال الافاق المستقبلية. ويكفي ان نشير الى ان السلة الغذائية للأسر قد ارتفعت من ٤٥٠ الف ليرة الى مليون ليرة، للدلالة على مستوى المعيشة الذي بات ينتظر اللبنانيين في ظل خطة التعافي الاقتصادي، والبرنامج مع صندوق النقد الدولي، وإعلان الدولة افلاسها.

وسيتلمس اللبنانيون بشدة مفاعيل الإنجاز الذي تغنى به رئيس الحكومة بإعلان تخلف لبنان عن سداد ديونه من دون خطة تفاوض مسبقة مع الدائنين، بهدف الحفاظ على ما تبقى من احتياطي المصرف المركزي. اذ بات على لبنان اليوم ان يفاضل بين حماية سعر الليرة وبين تأمين المواد الاساسية المستوردة. ومع التعميم الاخير لحاكم المركزي الذي جاء نتيجة اجتماع مالي نقدي في السرايا برئاسة رئيس الحكومة، وقضى بمواجهة الارتفاع المتمادي في سعر الدولار عبر تدخل المركزي للدفاع عن الليرة، فإن الحكومة لم تعد بإنجازها الى اعتماد خيار الحكومات السابقة فحسب، وانما ستطيٓر ما تبقى من احتياطات في دفاع ميؤوس عن عملة وطنية، يشكل تحريرها شرطاً اساسياً لصندوق النقد الدولي، مقروناً طبعاً بشروط اساسية اخرى أهمها ضبط الحدود ومعالجة الهدر في قطاع الكهرباء، وذلك من ضمن رزمة واسعة من الاجراءات المؤلمة التي لن يتحمل وزرها الا الشرائح الصغيرة في المجتمع.

واذا كانت العودة اليوم الى طرح مشروع ” الكابيتول كونترول” على طاولة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي من اجل وقف حركة التحويلات المستمرة الى الخارج، سيؤجل اعلان التفليسة، بعدما بات جزء كبير من المصارف الكبرى في حالة افلاسية واقعية، فإن التعويل على الدعم الخارجي لن يكون في محله، سيما وان أقصى التوقعات لحجم هذا الدعم لا يتجاوز ٣ الى ٤ مليارات دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وهذا يقود الى خلاصة ان الحكومة مدعوة الى الجلوس على الطاولة مع المصرف المركزي والمصارف، ومحاولة الإفادة مما تبقى من إمكانات متاحة امام القطاع المالي لاستعادة الثقة، علما ان هذا الامر هو من مسؤولية الحكومة التي شن رئيسها هجوما بالمباشر وعبر شاشات التلفزة على هذا القطاع.

لا شك ان في التراجع عن خطأ فضيلة، وعن اخطاء عدة فضائل اكثر، فهل يتخذ رئيس الحكومة القرار الجريء باعادة النظر بالمقاربات الاقتصادية والمالية والاستعانة بأصحاب الخبرات من غير الأكاديميين، فيكون الترحيب الأولي الذي صدر عن وزارة المال بورقة المصارف مقدمة لتوحيد الجهود، لئلا تكون المئة يوم المقبلة من عمر الحكومة، أسوأ مما سبقها؟