//Put this in the section

“الحليف الوفي” يهدد حزب الله بـ”الغطاء المسيحي”.. والفيدرالية في لبنان على الطاولة

لأول مرة بهذا الوضوح، تشهد الساحة اللبنانية اهتزازا جليا للعلاقة ما بين التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، وحزب الله، وذلك على وقع أسوأ أزمة اقتصادية ومالية تشهدها البلاد بسبب عوامل عدة، على رأسها سياسات الحزب المرتبط بالنظام الإيراني.

التيار الوطني الحر، وزعيمه الروحي الرئيس اللبناني ميشال عون، يرتبط بورقة تفاهم مع الحزب بين الطرفين منذ عام 2006، في تحالف سياسي أعطى غطاء مسيحيا لحزب الله، وزعيمه حسن نصرالله، إلا أن الخلافات بدأت أخيرا تخرج إلى العلن.




الاهتزاز في العلاقة الذي يأتي في سياق انهيار مالي يشهده لبنان، سرعان ما ارتبط برؤية مالية جديدة يحاول التيار الوطني الحر التسويق لها مستفيدا من أجواء في المجتمع المسيحي، لاسيما لدى المتمولين تطالب بما بات يصطلح على تسميته “لامركزية مالية”.

هذه الرؤية المالية سوّق لها باسيل في 17 مايو الجاري، الذي أجمع كل من تابعه على تضمنه رسالة واضحة لحزب الله تحمل تهديدا بالغطاء المسيحي المقدم له أمام المجتمع الدولي، في حال استمر التعاطي معه في الملفات الداخلية على هذا النحو من التباعد في الرؤية والأهداف والتي بدأت تترجم في عمل الحكومة اللبنانية الجديدة واللجان النيابية.

لم يتردد باسيل في فتح ملف المعابر الشرعية، التي يستفيد منها حزب الله، مستخدماً مصطلح “قوى الأمر الواقع” في حديثه عن المستفيدين والمتواطئين في تلك القضية.

كذلك فعل في قضية الفيول المغشوش، منتقدا بشكل مبطن أداء الحزب تجاه حليفه سليمان فرنجية من ناحية، وتجاه حركة أمل بشخص رئيسها ريس مجلس النواب، نبيه بري، ملمحا إلى أنه “لا حلفاء في مواجهة الفساد والفاسدين”.

وفي كلمته أيضا، أشار باسيل إلى ملف “معمل سلعاتا” الذي يدعم قيامه، فيما صوت وزراء حزب الله ضده في مجلس الوزراء، وهو ما جعل من كلمته “جردة حساب” مع حزب الله.الكلام المبطن والمنمق لباسيل انعكس حملة واضحة أطلقتها المجموعة المقربة منه داخل التيار الوطني الحر.

أبرزها، تصريح لعضو المجلس السياسي في التيار الوطني الحر، ناجي حايك، الذي سلط الضوء على عمليات التهريب في المطار والسيطرة على طريق المطار، ساردا واقعة تعرض دورية من الجمارك على طريق المطار لكمين من قبل مسلحين على متن سيارات رباعية الدفع ذات زجاج داكن، أثناء قيام عناصر الدورية بضبط عملية تهريب بضائع.

ويواجه حزب الله اتهامات منذ سنوات بالسيطرة على المطار، لاستخدام هذا المرفق الحيوي لتهريب السلاح والأموال والمواد الممنوعة، كما تسيطر ميليشياته على المنطقة المحيطة بالمطار والطريق الرئيس المؤدي إليه.

“سلم سلاحك”

والتصريح الأكثر وضوحا، كان للنائب زياد أسود، من على منبر قناة otv المملوكة للتيار الوطني الحر، والذي وصف بتصريح “سلم سلاحك” لما تضمنه من انتقادات واضحة لسلاح حزب الله، وتحميله مع سلاحه مسؤولية الواقع الاقتصادي الحالي في لبنان.

أسود، قال “مش رح فينا نضل حاملين بارودة وشعبنا جوعان”، مؤكداً أنّ ثمن وجود سلاح حزب الله يدفعه اللبنانيون، مضيفاً “لا يستطيع حزب الله لوحده أن يصمد إذا لم يتوفر تضامن وطني حوله”، “وما بيصمد لو قاعد تحت مية طابق بالضاحية”، ملمحاً إلى “التفكك الداخلي” من حول حزب الله في حال استمر في التغطية على الفساد.

اللافت أن كلام أسود الذي استند فيه على “رأي الأميركيين” حول تأثير وجود سلاح حزب الله على الواقع الاقتصادي في لبنان، يرتبط بشكل مباشر مع دعوة باسيل إلى اعتماد الـ”لامركزية المالية”.

وبحسب ما تكشف مصادر متابعة لموقع “الحرة”، فإن الثانية جاءت كنتيجة الأولى، بعدما سادت أجواء من التململ أوساط متمولين مسيحيين بوجه فكرة تدفيعهم الثمن الاقتصادي لصراعات المحاور الإقليمية.

الحفاظ على الوجود المسيحي

وطبقا للمعلومات، فإن هذه الأجواء ظهرت جلية مع اجتماع عقدته مرجعية كنسية في لبنان، جمع شخصيات مسيحية من جميع الأطراف، دعت لاتخاذ خطوات عملية في سبيل الحفاظ على الوجود المسيحي، والذي يتهدد بعدم استقرار الواقع الاقتصادي، وعليه كان اتفاقا على وضع مخارج لهذه الأزمة.

وتقول المصادر إن باسيل وجد ضوءً أخضر في هذا التوجه الكنسي وغطاء لإطلاق رؤيته المتعلقة بالـ”لامركزية المالية”، والتي أعلنها من مجلس النواب خلال جلسات منح الثقة للحكومة الحالية، كما ألمح إلى ذلك في تصريحه الأخير.

لكن أسبابا أخرى تكمن خلف سعي باسيل باتجاه “اللامركزية المالية”، فبحسب المصادر مرد هذا السعي يعود إلى اللقاء الذي جمعه بوكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية ديفيد هيل.

خلال اللقاء، تبلغ باسيل رسالة واضحة بأن سلوكه السياسي سيصل بالعقوبات الاقتصادية التي تلاحق حزب الله إليه عاجلا أم آجلا، وهو ما يحاول تفاديه عبر القفز من مركب الحزب قبل أن يصله مصير الغرق في العقوبات المالية.

رئيس الحكومة الأسبق، سعد الحريري، حاول التدخل لدى الأميركيين لتجنيب صديقه حينها هذا السيناريو، وذلك خلال لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلا انه سمع ردا واضحا عن وجود نية جدية لملاحقة حزب الله بالعقوبات المالية ومحاصرته مع حلفائه ومن بينهم باسيل.

تصاعد العقوبات.. و”قانون سيزر”

وبالمناسبة، فإن تلك الملاحقة المالية وتداعيات العقوبات ستشتد مطلع الشهر المقبل، وذلك مع دخول “قانون سيزر” حيز التنفيذ، الذي تسعى الولايات المتحدة عبره لفرض مزيد من العقوبات والحصار المالي على النظام السوري وكل من يظهر داعما ومشاركا وحليفا له، ماليا وعسكريا وسياسيا، إضافة الى وجود قانون مشابه طرح في الكونغرس مؤخرا لفرض عقوبات خاصة تطال لبنان.

بعد هذه الواقعة، تؤكد المصادر أن باسيل “حاول أن يبعث برسائل إيجابية باتجاه أميركا من خلال مواقف وقضايا عدة، أبرزها ملف عامر الفاخوري، الذي مرره حزب الله ولم يتوقف عنده.

وفي المقابل، تابع توجيه رسائل لحزب الله مفادها أن القدرة موجودة على الاتجاه نحو أميركا وسحب الغطاء المسيحي إذا ما استمرت العلاقة على هذا النحو، لاسيما في الملفات الداخلية والعمل الحكومي، الذي لا يؤمن مردودا سياسيا بل تهديدات وتأثيرات اقتصادية.

من جهة أخرى، يرى الصحفي المقرب من حزب الله، غسان جواد، أن “العلاقة بين الطرفين مرت بمطبات كثيرة خلال 15 سنة من الاتفاق السياسي، لكنها في جميع تلك المراحل حافظت على ثبات في بعدها الاستراتيجي، المعطيات الحالية لا تشير إلى وجود أي زعزعة في تلك الثوابت”.

جواد أكد على وجود رسالة سياسية في مضمون كلام أسود، لكنه لا يرى فيه محاولة ابتزاز لحزب الله “رغم وجود هذا الانطباع في البلد”، معتبرا أن “هناك بعض الصحة في ما ورد بالتصريح ناحية الخطر الذي يمثله الفساد على المقاومة وضرورة تحصين البيئة الداخلية”.

ومع ذلك، يرى جواد بأن “باسيل لم يصل إلى مرحلة التخلي عن حزب الله، ويدرك تماما أن الحزب لا يزال بكامل قوته السياسية على الساحة اللبنانية وليس في موقع ضعف إقليمي، وحتى العقوبات المالية قد تؤثر على وضعه إقليميا لكنها لا تنعكس في معادلات الداخل اللبناني”.

يستبعد جواد واقعية أي طرح “فدرلة”، وعن “اللامركزية المالية” يوضح أن التيار الوطني الحر لا يخفي هذه الأهداف في سياق السعي نحو “لامركزية موسعة” تزيد من صلاحيات البلديات وانتخاب مجالس محافظات، من الممكن أن تحمل حلاً للأزمة اللبنانية لاسيما في ملف مكافحة الفساد حيث من شأن تصغير دائرة معالجة الفساد أن تساهم في حصره، لكن تحفظ وحدة البلاد في الوقت نفسه.

اللامركزية المالية.. مدخل على الفيدرالية؟

مع ذلك ترى أطراف عدة في لبنان أن اللامركزية المالية من شأنها أن تكون مقدمة لطرح الفدرالية التي ستتخذ شكل تقسيم طائفي من شأنه أن يحمل مزيد من الأزمات على البلد.

طرح يتبرأ منه اليوم أكثر الأحزاب التي كانت تنظر له تاريخياً، كما هو حال القوات اللبنانية التي تعلن تمسكها الكامل بصيغة اتفاق الطائف على ما يؤكد رئيس جهاز التواصل والإعلام الوزير السابق ملحم رياشي.

رياشي، الذي كان قد نقل عنه تصريحات إعلامية دعا فيها لتطوير اتفاق “الطائف” والعمل على تطبيق فيدرالية جغرافية ما يطوّر لبنان للأفضل، أكد في حديث مع موقع “الحرة” أنه لا وجود لـ”مشروع فدرالي”.

وأضاف “من الممكن البحث في صيغ أفضل تساهم في إنتاج الأفضل من الواقع اللبناني”، متحدثا عن “سبل عدة وتسهيلات مساعدة، إذ من الممكن تحقيق الهدف عبر نظام اتحادي”، أما موقف القوات اللبنانية فهو التمسك الكامل بالطائف ورفض أي طرح فيدرالي من شأنه أن يقسم البلد طائفياً أو مذهبياً.

ووفق رياشي، ترى القوات أنها استطاعت “من خلال اتفاق معراب أن تجلب عون إلى صيغة الطائف وجعلته يتبناه، وأي حديث آخر مرفوض والقوات ليست جزءاً منه”.

من جهتها، ترى مصادر تيار “المستقبل”، أن “التيار عراب الطائف وأي طرح يمس بصيغة الاتفاق مرفوض، وبالتالي فإن طرح الفدرلة يضرب الطائف والسلم الاهلي، وفكرة لبنان واذا كان هناك أفكار مالية تتحور وتتحول إلى محاولة تمرير الفدرلة فالوقائع تقول ان العصب المالي والقوة المالية معروفة بتوفرها لدى المكون الإسلامي في البلاد، وبالتالي فالفكرة منسوفة”.

الانسجام في الموقف من “الفيدرالية” و”اللامركزية المالية”، ينطبق ايضا على الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، المتمسك هو الآخر بالطائف.

لكن مصادره توضح أنه “لا بأس بتطوير لهذا الدستور، كإقامة مجالس محلية تمثيلية تساهم في إنماء الأطراف وتصب جهودها في مصلحة الدولة، لكن “الفدرلة” خيار مرفوض لكونه يرسخ الطائفية والانقسام في لبنان، و”اللامركزية المالية” ستكون مدخلاً لتلك التقسيمات.