//Put this in the section

حصّة دعم كهرباء لبنان من الدين العام: فوضى وهدر منظم بفضل التوارث الوزاري

سلوى بعلبكي – النهار

في مثل هذا اليوم قبل عامين، وافق مجلس الوزراء على القرار رقم 84 تاريخ 21/5/2018، المتعلق بعرض المتعهد اليوناني بتحويل عقد إنشاء معمل دير عمار، الذي كان يفترض أن يبدأ سابقاً بالإنتاج مع نهاية العام 2015، ويتحقق معه التوازن المالي لمؤسسة كهرباء لبنان برفع التعرفة ووقف النزف الحاصل من خاصرة المالية العامة من EPC إلى BOT من خلال شركة لبنانية، وتكليف وزير الطاقة سيزار أبي خليل بالتفاوض والعودة بمشروع العقد، ولكنه لم يصل إلى نتيجة. وانتقل التكليف عن طريق الإرث من الوزير أبي خليل إلى الوزيرة ندى بستاني التي أعلنت أكثر من مرة قرب انتهاء المفاوضات مع الشركاء “اللبنانيين” وتوقيع عقود التمويل وقرب انطلاق التنفيذ، دون إبراز أي مستند أو وثيقة تؤيد صحة هذه “التباشير”، وفق ما يقول مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون، و”التي ما كانت لتعلن عنها إلا لإيهام المهتمين بمساعدة لبنان بحصول تقدم حقيقي على الأرض، ومنهم ناظر “مؤتمر سيدر”، الذي كرر التأكيد على أولوية تحقيق إصلاح جدّي على مستوى الكهرباء”. إلا أن هذه الوعود بإنجاز التفاوض حول دير عمر ومباشرة التنفيذ “سرعان ما تبخرت لينتقل الملف مجدداً وبالطريقة عينها إلى الوزير الحالي، ليبقى مصيره طي الكتمان، وكذلك مصير دعوى التحكيم بعشرات ملايين الدولارات، وما زالوا صامتين حول مصير التفاوض، ولكن هذه المرة من دون التجرؤ على اتهام الغير بالعرقلة”، يقول بيضون.




بالرغم من كل هذه الموافقات لم تحقق الخطة غاياتها، وفي مقدمها تأمين التوازن المالي لمؤسسة كهرباء لبنان بعد توفير التغذية 24/24، مع إنجاز المعامل بنهاية العام 2015، حيث كان يفترض إدخال القطاع الخاص على قطاع الإنتاج، من خلال تراخيص وأذونات تصدر عن الهيئة الناظمة، المنصوص عنها في قانون تنظيم قطاع الكهرباء، فاستمر العجز والنزف والدعم وتحميل الخزينة مزيداً من الأعباء التي لم تعد قادرة على تحملها.

ومع انتشار فضيحة الفيول المغشوش والهدر المالي المترتب عنه، برزت محاولة التقليل من أهمية حصة دعم المؤسسة من الدين العام وحصر مسؤوليته بـ 16،50 مليار دولار، أي بمعدل مليار ونصف المليار تعود لدعم المحروقات خلال الأعوام العشرة الماضية، إضافة إلى نصف مليار تعود لتكلفة ما تم تنفيذه من مشاريع خطة 2010 اعترفوا بها، للمصداقية.

ولكن النظرة الموضوعية للأعباء التي تسببت بالانهيار المالي الشامل الذي طال الخزينة والقطاع المصرفي واحتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة، ومعها أموال المودعين، لا يمكن الانطلاق بها وفق بيضون “إلا من تقييم يأخذ في الاعتبار مبالغ الدعم السنوي المتواصل، وفق أهميتها النسبية وتوقيتها ودرجة “ضررها الحدّي” إذا صحّ التعبير، بمعنى أن أهمية الدولار الواحد، الذي يضاف إلى أعباء الخزينة، وهي على وشك الانهيار وصعوبة تأمين تمويل وارتفاع أسعار الفوائد نتيجة الهندسات المالية، هو أثقل وأخطر من أي دولار آخر، لارتباطه بقدرة الخزينة المتناقصة على تحمله، دون أن يشكل القشّة التي تقصم ظهر البعير، فيتسبب بانهيارها. وهذا هو حال آخر المليارات التي أنفقت على دعم المحروقات لتشغيل معامل كهرباء لبنان والبواخر، بعد إطلاق خطة الكهرباء في العام 2010، حيث بقي نصف الطاقة المنتجة يضيع هدراً على شبكتَي النقل والتوزيع، أو تأخراً في الجباية والتحصيل، ليضاف هذا النزف إلى مختلف أشكال الهدر المستشري نتيجة تراجع أوضاع مؤسسة كهرباء لبنان على مختلف المستويات الإدارية والمالية والتقنية، دون مجلس إدارة مكتمل وأصيل، واعتمادها في معظم أنشطتها الاستثمارية على شركات خاصة. وتأتي في هذا الإطار “عقود البواخر والتشغيل والصيانة ومقّدمي الخدمات، والاستشاريين والممثلين الحصريين للشركات الصانعة، ومعظمها بالتراضي، أو يقررها مجلس الوزراء بناء على “استدراجات عروض” غير معروف أين أجراها الوزير”، أو تجريها المؤسسة مباشرة بتغطية من وزير الوصاية، أو بالاتفاق على تمريرها تحت عنوان “التصديق الحكمي” الذي بات يشكل القاعدة، دون التحقق من انطباقها فعلاً على القوانين والأنظمة المرعية الإجراء، قبل وضعها موضع التنفيذ، لا بل إن تصديق الوزير كان يشترط أن تبقى إجراءات التلزيم الإدارية والمالية على مسؤولية إدارة المؤسسة القاصرة عن استرداد استقلاليتها المنتهكة، دون أن تنفع استغاثة أو إطلاق تحذير، وفي غياب أي رقابة جدية أو فاعلة لا من مفوض الحكومة، الذي يمثل سلطة الوصاية، ولا من المراقب المالي التابع لوزارة المالية. وإثبات عدم فعالية هذه الرقابات لا يحتاج إلى دليل، برأي بيضون “فمظاهر العجز بادية للعيان، من التقنين والتهديد المتكرر بالعتمة إلى فشل محاولات إلقاء المسؤولية عن الفيول المغشوش إلى أساس العقد، فيما توصلت التحقيقات إلى كشف شبكة إهمال واسعة شملت جميع المعنيين بدورة تأمين الفيول من توقيت إطلاق الطلبية وطلب فتح الاعتماد وتغيير الباخرة، وصولاً إلى الاستلام بشهادات نوعية غير صحيحة”.

ماذا عن حصة عجز كهرباء لبنان من الدين العام؟ يوضح بيضون أن “ثمة صعوبة في الحصول على معلومات متطابقة، مدققة وأكيدة حول هذه الحصة، لا سيما وأن مؤسسة كهرباء لبنان تعتبر ما تحصل عليه من مساعدات على حساب الخزينة لدعم المحروقات بمثابة “مساهمة” غير متوجب ردّها، فيما تكرر قوانين الموازنة العامة اعتبارها “سلفة خزينة” يتوجب ردها. هذا فضلاً عن أن إقرار سلف الخزينة هذه مخالف لأحكام قانون المحاسبة العمومية. وتالياً يعتبر بيضون أنه لا يمكن الاستناد إلى حسابات مؤسسة كهرباء لبنان لتحديد حصتها من الدين العام، لا سيما وأن المؤسسة لا تعدّ قطع حساب موازنتها السنوية أصلاً، وما تعدّه هو حساب النتيجة وبيان الميزانية فقط، التي تخضع لرقابة مكاتب التدقيق وإنما بعد أعوام طويلة من التأخير، بحيث لا تعود مع انقضائها أي منفعة منها؛ هذا فضلاً عن أن تقارير هذه المكاتب تتضمن العديد من الملاحظات والتحفظات الجوهرية، التي تبقى في أدراج الوزير. وغيره من المراجع المعنية بنسخة منها. ويكفي أن تكون المؤسسة قد تعاقدت مؤخراً على تصحيح قيود حساباتها العائدة للعام 2010 وما قبل للدلالة على مدى الثقة التي يمكن إيلاؤها لهذه الحسابات”.

أما بالنسبة للرجوع إلى قوانين الموازنات العامة وحساباتها لتحديد حصة عجز كهرباء لبنان من الدين العام، فيميز بيضون بين ثلاث مراحل: من 1992 ولغاية 2005، والفترة ما بين 2006 و2016 ضمناً، حيث لم تصدر قوانين موازنة، والفترة الأخيرة اعتباراً من 2017 حيث أعيد الانتظام وصدرت قوانين الموازنة العامة، وتم وضع سقف لسلف الخزينة المخصصة لدعم المحروقات تحدد بـ 2100 مليار ليرة. ولم يتم الالتزام به، بحجة أو بأخرى، فتمّ خرقه وترددت وزارة المالية في بيان هذه السلف بين الذمم المدينة للخزينة أو نفقات الموازنة، طالما أنه في الواقع إنفاق نهائي لن تسترد قيمته.

والمعلوم أن سلف الخزينة التي تعطى لمؤسسة كهرباء لبنان لتسديد عجز المحروقات تستوجب الحصول على موافقة السلطة التشريعية إذا كانت مهلة تسديدها تجاوز الاثني عشر شهراً، أي أن تصدر بقانون، كما أنها تخالف أحكام المادتين 203 و204 من قانون المحاسبة العمومية التي تعرف هذه السلفات وتحدد شروط إعطائها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى إدراج هذه السلف ضمن الموازنة العامة وحساباتها. فلإعطاء هذه السلف يحدد بيضون 3 شروط: الأول، هو أن تتوافر لدى الخزينة موجودات للإمداد منها، فيما الخزينة في عجز دائم وليس لديها موجودات فائضة لإعطاء سلف وبآلاف المليارات؛ والثاني، أن يبنى إعطاء السلفة على التأكد من قدرة المؤسسة على السداد، وأنه ليس ثمة أي شك بعدم قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تلبية هذا الموجب؛ والثالث، هو ربط إعطاء السلفة بالتزام المؤسسة بلحظ الاعتمادات اللازمة في موازنتها التالية لتسديدها، وهذا متعذر، لا بل إن المؤسسة لا تكتفي فيه بتحميل الخزينة ثمن المحروقات وإنما تطالب بتسديد عجز موازناتها من كافة مصادره. يضاف إلى ذلك عدم وضوح الأساس القانوني الذي أعطيت استناداً إليه سلف الخزينة خلال فترة غياب قوانين الموازنة عن الصدور، خلال الفترة بين 2006 و2016، لا سيما وأن سلف الخزينة ليست من بنود الإنفاق لإعطائها على أساس القاعدة الإثنتي عشرية”.

ووفق بيضون، “لا تقتصر حصة كهرباء لبنان من الدين العام على دفع ثمن المحروقات اللازمة لمعاملها وللبواخر، إنما تشمل تكلفة إنشاء المعامل المنفذة أواخر التسعينيات وأخيراً، وكذلك إعادة التأهيل، التي، حسب تقارير مجلس الإنماء والإعمار، بلغت تكلفة العقود التي تم تلزيمها بين 1/1/1992 و31/12/2007، لمصلحة قطاع الكهرباء 1،42 مليار دولار. يضاف إليها تكلفة المعامل الجديدة وتجديد شبكات النقل، والاستملاكات، وتسديد قروض متوجبة على المؤسسة، وتسديد ثمن الطاقة المستجرّة من سوريا، وسلفة البواخر الأولى، وأعباء المستشارين لتنفيذ خطة 2010، والاستشاريين لإعداد دفاتر الشروط، وتكلفة دعاوى التحكيم والمحامين والمصالحات على دعاوى عدة… والتي لو تم تقدير مجموعها بنحو الخمس مليارات دولار، يصبح المجموع العام مضافاً إلى “سلفات الخزينة” نحو 40 ملياراً تبسيطاً للاحتساب، ومع التحفظ لعدم تدقيق أرقام وزارة المال بعد، وبتقدير الفوائد المتوجبة على هذه الحصة من الدين العام، التي لو احتسبت على أساس 5 % كمعدل وسطي على نصف المبلغ على عشر سنوات، فإن حصة دعم كهرباء لبنان من فوائد الدين العام سوف تقارب العشر مليارات دولار، وبالتالي فإنه يبقى تحديد قيمة الدين العام الصحيحة لتحديد نسبة هذه الحصة منها، لا سيما وأن ثمة تقديرات عدة لقيمة الدين العام تراوح بين الـ 100 والـ 170 مليار دولار”. ويعتبر بيضون أن “أي فرضية أخرى لن تؤدي إلى اختلافات مهمة في حصة دعم الكهرباء هذه من أصل مجموع الدين العام”.

بلغ مجموع سلف الخزينة المسجلة لدى الخزينة العامة بذمة مؤسسة كهرباء لبنان:

الفترة المجموع مليار ل.ل.

1997 – 2005 10،385 6،890

2006 – 2016 32،010 21،235

2017 – 2020 9،625 6،385

المجموع (197 – 2020) 52،020 34،510 مليار دولار