//Put this in the section

في المئوية الأولى: دياب يطلب أسبــاباً تخفيفية.. ولكن؟!

جورج شاهين – الجمهورية

تعبر حكومة «مواجهة التحديات» اليوم «مئويتها اليومية الاولى» في منتصف «المئوية السنوية الأولى» لقيام لبنان الكبير وسط كثير من الغبار السياسي الذي يغلّف مسيرتها في ظل التعثّر الذي تواجهه في اكثر من ملف، فلا يبدو حتى هذه اللحظة أنها قادرة على مواجهة الإستحقاقات المتراكمة والمتشابكة، وهو ما سيدفع بأركانها الى طلب أسباب تخفيفية. فهل لطلبها من مبرر؟ وهل تستحقها؟




ليس من المنطق ان يعبر ايّ من اركان السلطة ورعاة تشكيل «حكومة مواجهة التحديات» عن أي نوع من انواع الصدمات المفاجئة حيال ما كان عليه الوضع في البلاد وما آل اليه على اكثر من مستوى اقتصادي ونقدي واجتماعي وسياسي وديبلوماسي باستثناء جائحة كورونا التي لم تفاجىء اللبنانيين فحسب، بعدما لفّت بتبعاتها الخطيرة الكون بكامله وتسبّبت بأكبر ازمة عالمية لم تنجُ منها سوى بعض الدول التي يحتاج التعرّف اليها الى استخدام أدق أجهزة التقصي للبحث عنها.

وفق هذه المعادلة التي لا يرقى اليها اي شك، لا يمكن لأي كان من اهل السلطة ان يتحدث عن اي مفاجأة يمكن ان تصادفه. فكل من خَطّط وسعى الى التشكيلة الحكومية الجديدة، بما فيها طريقة اختيار رئيسها الذي نجا في ايام معدودة من مسلسل التجارب التي خضع لها من سبقه الى مهمة التكليف قبل التأليف، كان على دراية كافية بما هو قائم وما يمكن ان تقود اليه التطورات. فجميعهم ممّن أداروا المرحلة السابقة وشاركوا على مدى العقود الأربعة الأخيرة، وإن بتفاوت محدود، في كل قرار اتّخذ سواء كانوا على عِلم بما يمكن ان يقود اليه ام لا. وهو امر لا يمكن نَفيه بسهولة فـ»اهل مكة» كانوا وما زالوا أدرى بشعابها. كان ذلك قبل ان يعبّروا في الفترة الأخيرة، كلّ على طريقته، عن مواقفهم إزاء التطورات المختلفة بطريقة قادت الى ما يعانيه اهل البيت نتيجة الخلافات البينية التي عصفت بالتركيبة الحالية وهددتها اكثر من مرة قبل بلوغها المئة يوم الأولى ابتداء من اليوم.

على هذه الخلفيات ينتظر اللبنانيون كلمة رئيس الحكومة حسان دياب ظهر اليوم، ليقدّم الجردة كما يراها عن الايام المئة الأولى بعد نيله الثقة بقليل من الحماس. فبعض المقاطع المنتظرة لن تحمل اي جديد. فقد سبق له، ومنذ اليوم الأول، ان تحدث عن العوائق التي يضعها البعض امام مسيرته واضعاً إيّاهم على لائحة الخائفين من اي انجاز قد يتحقق. والى ذلك فهو وجّه الاتهام مراراً الى أطراف لم يسمّها حتى اليوم ما زالت تزرع الافخاخ في الطريق الى بعض الوعود التي قطعها ولم تنفذ بعد. ولا ينسى منتظرو كلمة دياب اليوم انه سبق له ان اعتبر في اكثر من مناسبة، وتحديداً في الإستحقاقات الكبرى، انه لم ينجح في توليد الحكومة التي ارادها في شكلها ومضمونها بعدما رَضخ في الساعات الأخيرة التي سبقت مخاض الولادة للشروط السياسية التي كَبّلته وأبعدت الحكومة عن التركيبة المستقلة.

والى هذه المعطيات، وان جدّد رئيس الحكومة في كلمته اليوم التأكيد انه دخل الى السراي الحكومي بفضل انتفاضة 17 تشرين الأول الماضي، وانه يرغب في ان يترجم ما أراده قادتها المغمورين حتى هذه اللحظة طالما انها لم تنتج بعد قيادتها، فإنّ حلفاءه في الحكومة لن يشاطروه الرأي. فهم لم يعترفوا بعد بهذه الإنتفاضة ويتصرفون على اساس انها لم تكن. ذلك انّ كثراً منهم ولا سيما قادة «التيار الوطني الحر» وبعض حلفائهم يرون انّ من ثاروا في 17 تشرين هم من ترجموا ما أرادوه رافضين ان يكونوا هم المستهدفون بكل ما حصل. كان ذلك قبل ان يتبيّن ما ألحقته هذه الإنتفاضة في صفوفهم نتيجة المتغيّرات والتي تسببت بكمٍّ من المتغيرات الى حدود الانقلابات في مزاج اللبنانيين. فالاحصائيات الأخيرة التي نشرت قالت انّ ما يقارب الـ 60 % ممّن انتخبوا نواب مجلس الـ 2018 لن يكرروا التجربة مرة أخرى.

وعليه، فقد بنيت نظرية ما حققته «كورونا» من إنجازات حَمت اهل السلطة ورعاتها من الوقوع في ما كان متوقعاً لمجرد انها عطّلت تحركاتهم وسمحت للسلطة بتفكيك خيَمها في وسط بيروت وساحة النور في طرابلس تزامناً مع حرق الخيَم في صور والنبطية من دون ان تترك اي ردّات فعل تُقاس بحجم ما حصل وأهمية ما حققته الحكومة. لكن ما هو متوقع يقلّل من اهمية ما تحقق اذا عدّ ما حصل «انجازاً تاريخياً». فعلى اهل الحكم ان يدركوا انّ انحسار موجة كورونا وحال التعبئة العامة ستعيد هؤلاء الى الساحات والشوارع بحجم اكبر بكثير. فقوافل الجوعى والعاطلين عن العمل من كل الطوائف والمناطق والمذاهب والتيارات السياسية والحزبية الجدد سينضمّون تلقائياً الى هذه المجموعات، وانّ من يستخف بمثل هذا التوقّع عليه ان يعيد حساباته من اليوم قبل الغد.

وبمعزل عن كل ما سبق فإنّ من بين اهل الحكم والحكومة اليوم من يتوجّس مما تعانيه الحكومة من داخلها، فالتفاهمات التي بَنتها تهتزّ يومياً وبعضها لم يعد قائماً. والدليل ليس صعباً ولا معقداً، فالتهديدات باحتمال خروج هذا او ذاك من الحكومة تتعزّز يومياً على خلفية اكثر من ملف. فمن قال انّ الاستمرار بملف التحقيقات في ملف «الفيول المغشوش» يمكن ان يطوّق بسهولة؟ ومن قال انّ ملف محطات توليد الطاقة وتغويزها قد طوي من دون ان تكون محطة سلعاتا من بينها مثبتة بالمراسيم والقرارات الحكومية؟ ومن قال انّ ملف التعيينات المالية والمصرفية والإدارية سيعبر بسهولة؟ ذلك انّ هناك من يقول انّ ما يرافق تعيين محافظ جديد للعاصمة لا يتساوى في قساوته وتردداته بمشاريع التعيينات لنواب حاكم مصرف لبنان واعضاء هيئة الرقابة على المصارف ومفوض الحكومة ايضاً. فهل يدرك الجميع انّ تأخير هذا الاستحقاق ليس بسبب الخلاف على الاسماء فحسب بوجود من يسعى الى ان تطاول التعيينات الجديدة رأس الحاكم رياض سلامة قبل الولوج الى الأسماء الأخرى؟ وهو أمر يُنبىء بأنّ الملف «سيجرجر» كثيراً وانّ فصوله المأسوية لم تبدأ بعد.

وامام هذا الكَم من العوائق والتي لا يتّسع المقال لشبيهاتها في قطاعات النفايات والكسارات والمفاوضات المعقدة مع صندوق النقد وحاملي سندات اليوروبوندز على وقع فقدان الدولار وانهيار سعر الليرة في ظل توقيف مسؤولين من المصرف المركزي وأركان نقابة الصيارفة، تتوقف ترددات اخرى. وعليه، ماذا سيكون ردّ الفعل الشعبي على طلب دياب اليوم فترة سماح جديدة على خلفية انه مع زملائه من اعضاء الحكومة ليسوا مسؤولين عن كل هذه المعضلات؟ وهل سيستجيب اللبنانيون لهذه الرغبة؟ وإن فعلوا فهل سيلتزم اهل الحكم بما سيترتب على هذه المهلة من التزامات؟ ام انه سيبقى كلٌّ يغنّي على ليلاه؟