//Put this in the section

المصارف ترفض ورقة اعدامها وتقدم بدائل فماذا اقترحت؟

سابين عويس – النهار

بموازاة اقرار الحكومة خطة التعافي المالي والاقتصادي التي تخوض على اساسها مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الدولي توصلاً الى برنامج يمد لبنان بالدعم المالي الدولي، لم تلق اعتراضات المصارف، المعنية الاولى ومباشرة بالحيز الأكبر من الخطة، أي صدى لدى أي من المسؤولين.




فرغم المحاولات الحثيثة التي بذلها رئيس الجمعية سليم صفير، لدى السلطات المعنية بضرورة الاستماع الى ملاحظات المصارف والاسباب الموجبة التي تدفعها الى رفض اجراءات اعادة الهيكلة المطروحة للقطاع المالي، او طلب المصارف ان تتمثل في اللجان او في المفاوضات الجارية مع الصندوق، لإبداء رأيها وإمكاناتها، بما انها المعنية المباشرة، وتملك كل المعطيات حول حجم القطاع وملاءته وخسائره، وبالتالي ما سترتبه عملية الهيكلة من مخاطر كارثية عليه وعلى المودعين والعاملين فيه، فإن كل هذه الجهود باءت بالفشل الى حد شعر معه المصرفيون ان المسألة لم تعد تقتصر على قرار رسمي بتحديد الخسائر وإعادة هيكلة القطاع، بل هي تذهب ابعد بكثير الى حد افلاسه وإعادة تموضع من خلال مصارف جديدة عددها خمسة اقترحتها الخطة، تنضم الى مجموعة مصارف لا تتجاوز نصف عدد المصارف العاملة اليوم. وهذا الكلام تردد كثيراً في الآونة الاخيرة وآخره ما صرح به قبل ايام وزير المال لوكالة الصحافة الفرنسية.

لم تبق المصارف مكتوفة امام عملية الإعدام التي تتعرض لها بدم بارد، بعد حملة مركزة حجبت الاضواء عن المسؤولين الفعليين عن الازمة، وسلطتها على “حكم المصرف”، وهي حملة شارك فيها مواطنون قلقون على اموالهم ومدخراتهم، غير مدركين ان نتائجها ستنعكس مباشرة عليهم،وعلى تلك الأموال والمدخرات، بما ان الخطة الحكومية تقضي بتحميلهم اعباء الخسائر!

وتكشف مصادر مصرفية بارزة ان تحرك الجمعية ركز على محورين: الطاولة في اتجاه تصويب بوصلة الاتهامات ورفع المسؤولية الملقاة على المصارف، وذلك من خلال وضع المعطيات في تصرف المسؤولين الراغبين في الاستماع ( لأن ثمة بينهم من لا يريد ان يسمع )، وفي تصرف الرأي العام، لأن الهدف الاول والاهم بالنسبة الى المصارف اليوم يكمن في استعادة الثقة، وهي العامل الأساس والجوهري في العمل المصرفي. اما المحور الثاني، فيكمن في عدم الاكتفاء بالاعتراض على الخطة، وانما تقديم الاقتراحات البديلة الآيلة الى تحقيق الهدف بالمعالجة ولكن من دون إعدام القطاع والعاملين فيه. ولهذا تعاقدت مع احد المكاتب الاستشارية، ومقرها باريس، من اجل مساعدتها على وضع تلك الاقتراحات ضمن ورقة، تحرص الجمعية على التأكيد انها ليست خطة بديلة في وجه خطة الحكومة، بل مجرد ملاحظات عملية قابلة للتطبيق وتحقيق الهدف المرجو، وهو إيجاد حلول للازمة الراهنة وإعادة. الثقة الى القطاع المصرفي خصوصا والاقتصاد في شكل عام.

في هذا السياق، يقول رئيس الجمعية سليم صفير امام فرعية لجنة المال والموازنة امس ان المصارف تريد ان تكون جزءا من الحل، وهي مستعدة لمناقشة الحكومة حول آلية اعادة سداد ترضي الطرفين، وتتماشى مع درة لبنان على الدفع،كما تتماشى مع القوانين والدستور. لم يخف صفير امام اللجنة استحالة تطبيق اي خطة ترمي الى إنعاش الاقتصاد من دون قطاع مصرفي قوي. ويكشف ان طروحات المصرفيين اكثر واقعية من طروحات الحكومة التي اعتمدت فقط على المساعدات الدولية التي لم تصل بعد. فخطة الحكومة في رأيه لإعادة رسملة المصارف سلبية، والجمعية تدعو الى اعادة هيكلة الدين العام الحكومي، بما يقلص الضرر على ٣ ملايين مودع.

في الورقة التي ترغب الجمعية مناقشتها مع المعنيين الرسميين، كما مع هيئات القطاع الخاص، عرض مفصل للواقع مع اقتراحات للمعالجة تنطلق من ٥ اولويات استراتيجية لمعالجة منظمة للازمة، انطلاقا من ان الجمعية تمثل٣ ملايين مودع، مبدية استعدادها التام للمساهمة في اي جهد مطلوب لإخراج لبنان من أزمته.

وتقترح الورقة التي حملت عنوان “مساهمة في خطة الحكومة للإنعاش الاقتصادي، والتي حصلت ” النهار” على نسخة منها على ” استجابة فورية متوازنة وفعالة تعالج احتياجات التمويل الخارجي وتضع مسار المالية العامة والديون على المدى الطويل على أساس مستدام، بينما تتجنب التخلف عن سداد الدين الداخلي الذي سيكون له عواقب مدمرة على الشعب اللبناني وعلى الثقة. وتنطلق مساهمة الجمعية من إدراكها ” أن الاقتصاد اللبناني عالق لسنوات عديدة في حلقة اقتصادية مفرغة. في قلب الأزمة، حقيقة أن البلد يعاني من عجز مالي وحساب جاري (عجز مزدوج) تم تمويله بشكل كبير، بشكل غير مباشر، من الودائع المصرفية من المقيمين اللبنانيين وغير المقيمين. من الناحية المالية، تجاوز الفائض الأساسي المطلوب لتثبيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان 5٪ في تشرين الاول 2019، وفقًا لصندوق النقد الدولي. وقد أدى إحجام الحكومات عن تنفيذ الجهد المالي اللازم إلى أول تخلف خارجي في لبنان. أدى هذا الامر إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها لبنان، بما في ذلك عدم الاستقرار الجيوسياسي والسياسي وانخفاض مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي.

تقترح الجمعية في ورقتها خمسة عناوين استراتيجية تعتبرها اولويات لمعالجة منظمة للازمة الراهنة، وتقوم هذه الاولويات على:

-1. عملية إعادة هيكلة الديون التي تقلل إلى أدنى حد من العواقب الضارة على ما يقرب من 3 ملايين من المودعين لدى المصارف والاقتصاد ككل، مع تحفيز الاقتصاد على التعافي بشكل أسرع وزيادة النمو المحتمل على المدى المتوسط.

2 – استراتيجية مالية متوسطة الأجل مستدامة تترك مساحة مالية كبيرة لتمويل التدابير الاجتماعية التي تشتد الحاجة إليها، بما في ذلك شبكة أمان اجتماعي موسعة لمكافحة الفقر وخطوات ملموسة ضد التهميش الاجتماعي.

3. سياسة التوحيد النقدي وسعر الصرف التي تعالج الاختلالات الخارجية الهائلة مع احتواء الضغوط التضخمية الكبيرة وتجنب التضخم المفرط.

4. إعادة هيكلة القطاع المالي على أساس نهج منظم للقطاع المصرفي على أساس كل حالة على حدة عند الحاجة، ورفع مستوى المسائل التنظيمية إلى المعايير الدولية.

5. استراتيجية تنويع قوية للاقتصاد بالإضافة إلى الإصلاحات الهيكلية التي تشتد الحاجة إليها بما في ذلك تدابير مكافحة الفساد، وانخفاض تكلفة ممارسة الأعمال التجارية في البلاد، وكذلك الإصلاحات التي تقلل من حجم القطاع غير الرسمي.

وتشير ورقة المساهمة ان “الرؤية الاقتصادية تقوم على أصول لبنان، وسكانه، والعوامل التي أدت إلى نجاحه. وتتركز الرؤية على تنويع الاقتصاد اللبناني من إقتصاد ريعي الى اقتصاد منتج، والإفادة من رأس المال البشري الذي نجح في إدراج لبنان في اقتصاد المعرفة.

ويترافق التنوع الاقتصادي مع خطة طموحة ولكن واقعية، للبنية التحتية (النقل والاتصالات) وإصلاحات هيكلية طموحة.فبخلاف خطة الحكومة، فإن التوقعات المتصلة بميزان المدفوعات نابعة مباشرة من الرؤية الاقتصادية المذكورة أعلاه.وسيتحول ميزان المدفوعات إلى فائض متواضع بحلول عام 2024.

اما على الصعيد المالي، فتتوافق رؤيتة الجمعية مع فائض أولي واقعي بـ2.1 في المئة من الناتج في ٢٠٢٤. وستشمل هذه النتيجة المالية إنشاء شبكة أمان اجتماعي غير مسبوقة بنسبة ٤ في المئة من الناتج بحلول 2024. وهو المستوى الذي نعتبره ضروريًا لتجنيب استمرار انزلاق المواطنين نحو الفقر والعوز

وترى الورقة انه “لا يمكن الحصول على هذه النتائج إلا إذا تخلت الحكومة عن قرارها في اختيار التعثر الداخلي وهو اشد خطورة، ويشكل تحديا للدستور من خلال الايحاء بأنها إصلاحات قصيرة الأجل لمشاكلنا الاقتصادية والمالية. الاستقرار المالي أو النمو الاقتصادي ممكن في بلد يتنازل من جانب واحد عن ديونه، ويصادر الممتلكات بشكل غير قانوني، أو يتدخل في انكماش القطاع الخاص. أن سيادة القانون واحترام العقود امران لا غنى عنهما لتحقيق النمو الاقتصادي. لن ننجح كأمة إذا اعتمدنا حلا سريعا لمشاكلنا، وهو عكس ما فعلت الدول المزدهرة في أوقات الأزمات”.

وتضيف الورقة انها تعتمد “على الاعتراف بالدور الرئيسي الذي يلعبه مصرف لبنان في إعادة هيكلة القطاع المالي وإعادة تمويل الدين العام. لذلك، يجب تسوية دين الحكومة لدى مصرف لبنان في شكل عادل.

وتتوخى الورقة آلية تسوية تشمل الأمور الآتية:

¶ إنشاء صندوق حكومي لتخفيف عبء الديون Government Debt Defeasance Fund (GDDF)؛

¶ مساهمة الحكومة في الأصول العامة المقدّرة بنحو 40 مليار دولار مقابل الاستحواذ على ١٠٠ في المئة من أسهم GDDF.

¶ اصدار GDDF سندات طويلة الاجل وذات فائدة ومغطاة بأوراق مالية بمبلغ 40 مليار دولار إلى مصرف لبنان مقابل تسوية نهائية لديون الحكومة الى المصرف المركزي.

¶ تسليم مصرف لبنان إلى GDDF جميع حقوق الملكية لممتلكات الحكومة والفائدة المتعلقة بها.

¶ تسليم GDDF للحكومة كل تلك الحقوق وفوائدها المتصلة بممتلكات مصرف لبنان الحكومية مقابل الأصول التي ساهمت فيها الحكومة GDDF؛

¶ قيام الحكومة بإلغاء الديون المستحقة لمصرف لبنان.

وهذه الأمور يمكن تنفيذها بسرعة وبمرونة وتصب في مصلحة كل المساهمين، بما يتيح للحكومة ان تمضي الى التعامل مع أمور ذات طابع اكثر الحاحا.

وتلفت الورقة انه حتى لو لم يتخلف لبنان عن السداد محليا، فان الحاجة الى دعم صندوق النقد تبقى ملحة للمساعدة في معالجة اختلالات المالية العامة.