//Put this in the section
حسام عيتاني - الشرق الأوسط

عن الاعتماد على النفس… المُحطَّمة – حسام عيتاني – الشرق الأوسط

في بحثهم المحموم عن مخارج من الكارثة الاقتصادية – السياسية التي يعيشون فيها، بدأ بعض اللبنانيين في اقتراح ما يتصورونه بدائل توقف انحدار مستوى المعيشة المترافق مع انهيار قيمة العملة الوطنية والبطالة الفائقة والارتفاع السريع لأسعار العملة الوطنية وتفشي الفقر على نحو غير مسبوق. بيد أن الكثير من الاقتراحات تلك تكشف عن الإفلاس الحقيقي الذي يعاني منه لبنان وقلة حيلة مواطنيه أمام النوازل المتتابعة ناهيك بالاستخدام السياسي الرامي إلى تبرير سياسات سابقة أو ممارسات ما زالت تطحن برحاها حياة ومستقبل وآمال ملايين البشر.

ويصعب العثور على لبناني (أو لبنانية) لم تصبه الأزمة الخانقة إصابةً مباشرةً بمورد رزقه أو بمدخراته –مهما كانت قليلة– أو بقدرته على تأمين مستلزمات حياته وحياة أسرته اليومية. وتقدر الخطة الاقتصادية التي قدمتها الحكومة الشهر الماضي أن حجم الناتج الوطني الإجمالي سينخفض في 2020 إلى نصف ما كان عليه في 2018، وسينعكس الانخفاض هذا على القطاعات الاقتصادية من دون استثناء وستكون له تداعيات كارثية على اللبنانيين.




تنتشر مروحة أصحاب «البدائل» والمروجين لها لتشمل السياسيين وزوجاتهم وفنانين وقادة ميليشيات مسلحة يدعون جميعاً إلى القبول بالأمر الواقع واللجوء إلى الزراعة المنزلية والصناعة المحلية والتصدير إلى الخارج و«الاعتماد على النفس» لتجاوز ما وصل لبنان إليه.

غنيٌّ عن البيان أن «البدائل» المزعومة تتجاهل أبسط أسس الاقتصاد ولو على مستواه المنزلي. ذلك أن «القيمة» –المفهوم المركّب الذي يحمل على كتفيه قسماً كبيراً من بنية الاقتصاد- غائبة تماماً عن الدعوات إلى زراعة الخضار على الشرفات و«العودة إلى الأرض». وإذا أمكن الحديث عن قيمة استعمالية ضئيلة للخضراوات المنتجة منزلياً ومساهمتها في سد بعض النقص ضمن مكونات مائدة العائلة، وهي في جميع الأحوال مساهمة محدودة لعدم قدرة الشرفات أو الحدائق على توفير المكونات الكاملة، فإن القيمة التبادلية للسلع المنتجة منزلياً تقارب الصفر بسبب عدم قابليتها للبيع والشراء في سوق مفتوحة وتكرار المنتجات ذاتها في كل الأماكن والمنازل والحدائق. وهذا قبل الوصول إلى الموقف الفوقي من الزراعة واعتبار دعاة «العودة إلى الأرض» أن إنتاج الخضار والحبوب والفواكه والبقول من النوافل والتوافه التي يستطيع أي كان النجاح فيها، من دون الأخذ في الحسبان الوضع الاقتصادي العام والظواهر المزمنة التي حتمت على المزارعين التخلي عن مهنتهم أو إهمالها في المقام الأول بسبب انعدام عائداتها وقصورها عن تلبية حاجات القائمين عليها ووقوعها –مثل كل القطاعات الإنتاجية في لبنان- في قبضة ثلة من المسيطرين والنافذين المستندين إلى غطاء سياسي وأمني.

الشيء ذاته ينطبق على دعوة زوجة أحد السياسيين للبنانيين واللبنانيات إلى أخذ مكان العمال الأجانب في الوظائف اليدوية البسيطة والخدمة المنزلية كأن هذه الأعمال ليست خاضعة لقانون السوق وتوفر الفرص، بل إن العمل بها –وفق السيدة الداعية- ينطلق وينتهي من موقف نفسي حان الوقت كي يدرك أصحابه ضرورة النزول من أبراجهم العاجية والعمل كما باقي الخلق. والحال أن دعوة السيدة تصدر عن شحٍّ فظيع في معرفة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي اللبنانيين وأن المهن البسيطة مفقودة في هذا البلد.

نصل هنا إلى مقولة «الاعتماد على النفس» التي يتجاهل أصحابها أن الأكثرية الساحقة من اللبنانيين لم تكفّ يوماً عن الاعتماد على نفسها وأن تصويرهم كطفيليين يعيشون على فتات موائد الآخرين ينطبق على أصحاب الدعوة قبل غيرهم. أما «النفس» التي يطالبون بالاعتماد عليها فقد أصابها من الدمار والفقر والذل ما لم يعد ينفع معها دعوات يتساوى فيها التعالي الطبقي بالجهل الآثم. وكيف لنفس محطمة أن يُعتمد عليها؟ وماذا في وسع نفس كهذه ما زالت تُسرق جهاراً نهاراً من السلطات المختلفة، السياسية والاقتصادية، أن تفعل؟

ولم تترك الأحزاب المدافعة عن الفساد والشريكة في المسؤولية بالوصول إلى قعرنا الحالي فرصة توجيه النصائح الأبوية تفوتها. فها هو زعيم «حزب الله» حسن نصر الله يكثر من إطلالاته التلفزيونية موزعاً في كل مرة اقتراحات لا يقرها طفل في الخامسة من عمره: مرة يرى حل الأزمة بتصدير الخضار إلى العراق وثانية يدعو إلى الزراعة المنزلية. أما ثالثة الأثافي فهي الدعوة إلى التنسيق مع النظام السوري لوقف تهريب المواد الأساسية التي يشتريها لبنان بدولار مدعوم مثل الطحين والوقود إلى سوريا من دون أن يكلف نفسه عبء التمعن قليلاً في كلماته، حيث يشرف النظام السوري وميليشيات نصر الله على عمليات التهريب ويجنون منها ملايين الدولارات على حساب باقي اللبنانيين.

ويتشارك أصحاب الكثير من هذه الدعوات في تجاهل الفاعل والمسؤول عن المصائب التي نعيش، وإذا وضعنا جانباً أصحاب جداول الأعمال السياسية الساعين إلى جني المكاسب من الأزمات -وهؤلاء صنف موجود في كل الحروب والمجاعات منذ بدء التاريخ- فإن القسم الساذج القابل بأداء دور «الغبي المفيد» عند من صنع هذه الكارثة وأدارها، يعبّر عن ذعر من خسارة المكانة المتخيلة التي صنع اللبنانيون صورتها عن أنفسهم كاستثناء ورمز للتقدم و«الحضارة» في محيط متخلف من دون أن ينتبهوا إلى مدى التخلف الذي بلغوه هم أنفسهم.