//Put this in the section

ما هي القصة التي لم تُروَ لبنانياً حول رامي مخلوف؟

أحمد عياش – النهار

لم تحظ قصة رجل الأعمال السوري رامي مخلوف بالاهتمام الذي تستحق في جانبها اللبناني على الرغم من أنها هزّت سوريا أخيراً، وألقت ظلال الشك على واقع النظام الذي يرأسه بشار الاسد باعتبار ان مخلوف من أهل بيت هذا النظام. فهل هناك من معطيات ذات نكهة داخلية لم تروَ بعد؟




في لقاء ضم أخيراً سياسيين وإعلاميين لهم صلة بالتطورات في سوريا، أشار احد المشاركين، وفق ما علمت “النهار”، إلى أن هناك طرفين رئيسيين على الساحة السورية لم يتدخلا في ملف مخلوف وتركا الامور تمضي ولا تزال نحو إخضاع الاخير لسيطرة ابن خاله، الرئيس الاسد، ما يعني وضع اليد على ثروته التي وضعته في مصاف أغنى أغنياء سوريا، وهذان الطرفان هما روسيا وإيران.

وفي معطيات المشاركين في هذا اللقاء، إن مخلوف لديه في مصرف يعود الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رصيد بـ 24 مليار دولار أميركي، ما يجعل مخلوف في مصاف أغنى مئة ملياردير في العالم. وفي الوقت نفسه، تحاول روسيا أن تحصل على بعض مستحقات ديونها كان يتوجب على دمشق سدادها منذ زمن طويل، لكنها لم تتلق منها شيئاً. وفي تقدير أصحاب هذه المعطيات، ان موضوع الديون الروسية هو من بين أسباب التوتر بين موسكو ودمشق والذي وصلت آثاره إلى عدد من وسائل الاعلام الروسية. ويبدو أن فريق بوتين يأخذ على الاسد تراخيه في إدارة شؤون سوريا وهو ما تسبب بانهيار هذا البلد على كل المستويات تقريباً وفي مقدمها المستوى المالي. فهل أتت هذه التطورات في موضوع مخلوف نتيجة ضغط روسي على الاسد كي يضع يده على موارد تعود غلى دائرته العائلية؟

في المقابل، هناك مقاربة أخرى من اطراف لديها اطلاع على السياسة العامة لـ “حزب الله” وتاليا إيران في سوريا. ولفتت هذه الاطراف التي كانت في عداد المشاركين في اللقاء المشار اليه الى ان الصمت الايراني عن الاجراءات التي اتخذها الاسد بحق قريبه يعني ضمناً عدم الرغبة في التدخل في هذه القضية، علما ان مجلة “الإيكونوميست” البريطانية في عددها الأخير ذكرت أن إيران التي تدعم النظام تبدو قلقة حيال ما يتصل بموضوع مخلوف الذي كان دوماً “قريباً” من الايرانيين الى درجة ان احد مصادر المجلة قال لها إن مخلوف “وضع كل بيضه في سلة إيران”. لكن إيران، كما تقول “الإيكونوميست”، لديها مشاكل أكبر، مشيرة الى ان اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني الماضي، وهو كان قائد عملياتها الخارجية، وتصاعد أزمتها المالية جعلا من الصعب على إيران ان تحافظ على موقعها في سوريا.

في سياق متصل، علمت “النهار” ان الجانب غير المعلن في موقف طهران، هو ان الجمهورية الاسلامية التي تعاني مثل روسيا في الحصول على ديونها المستحقة على نظام الاسد، وجدت نفسها في ضائقة لا سابق لها في المرحلة الاخيرة من العقوبات الاميركية، وكانت مضطرة ان تبلغ الاسد بما يتوجب عليه القيام به كي يساهم في تخفيف هذه الضائقة. ووفق مصادر المعلومات” فإن شركة “سيرياتل” التي يملكها مخلوف، والتي تدير القطاع الخليوي في سوريا هي الشركة الوحيدة هناك التي تحقق أرباحاً طائلة لا تضاهيها أي مؤسسة عاملة في هذا البلد. وتردد ان الاسد قرر ان ينقل ملكية الشركة الى طهران، ولا تمانع موسكو في ذلك، كي تستوفي الجمهورية الاسلامية بعض ديونها. ولعل هذه المعلومات تفسر لماذا صمتت طهران على “نكبة” حلّت بمن اعتبرته “الايكونوميست” البريطانية قد “وضع كل بيضه في سلة إيران”.

يروي سياسي مخضرم له خبرة في العلاقات السورية-اللبنانية لـ “النهار”، ان والدة الرئيس السوري الراحلة أنيسة مخلوف التي تزوجها حافظ الاسد خلافاً لإرادة أسرتها التي كانت تتمتع بنفوذ يفوق ما كان لأسرة الاسد داخل الطائفة العلوية، كانت تنتسب الى الحزب السوري القومي الاجتماعي كحال أسرتها. وقد بقيت على التزامها الحزبي هذا، حتى بعد اقترانها بحافظ الاسد الذي أسس نفوذاً سياسياً لأسرته لا يزال مستمراً منذ نصف قرن. ويضيف هذا السياسي قائلاً ان “الهدية” التي قدمها زوج السيدة أنيسة (حافظ الاسد) لأسرتها التي اعترضت على زواجها ممن هو أدنى منها رتبة اجتماعية، كانت بعد استلامه الحكم عام 1970 إطلاق سراح والدها “القومي” الذي كان يقبع في السجن على خلفية المشاركة في اغتيال عدنان المالكي، وهي عملية جرى فيها اتهام الحزب القومي بتنفيذها لكن الحزب نفى ضلوعه بها. ويبدو ان تاريخ أسرة مخلوف ذات الصلة بالحزب القومي ما زال مستمراً عند شخصها القوي اليوم، أي رامي. وكان الاخير يعتزم إجراء تغييرات في الحزب، ليس في سوريا فحسب، بل في لبنان أيضا. وبحسب هذا السياسي، فإن رجل الحزب القوي في لبنان أسعد حردان قد “نجا من قطوع” التغيير الذي كان يعدّه رامي مخلوف. وهذا “القطوع” كان على وشك الحدوث الى ان جاءت التطورات الاخيرة التي واجهها رامي مخلوف، فتوقف كل شيء يتصل بالشأن “القومي”.

طبعا لا يزال في جعبة المتابعين لأحوال سوريا الكثير مما يروونه. ومن فيض هذه الجعبة، أن رامي مخلوف سعى الى الحصول على إمتياز يمنحه ملكية منطقة معرض دمشق الدولي في وسط دمشق والتي هي الاغلى عقارياً في سوريا وذلك لمدة 99 عاما. لكن هذا المسعى لم يصل الى مبتغاه، وذلك بسبب ضجة نشبت في دوائر الحكم السوري ما جعل الاسد يتدخل لكي يوقف هذه الصفقة.

هل وصلت قصة رامي مخلوف الى نهايتها وفق ما نشرته “رويترز” بالأمس حول وثيقة حكومية اطلعت عليها الوكالة وفيها أن الحكومة السورية قررت الثلثاء الفائت الحجز على أموال هذا الرجل؟

الجواب سيأتي لاحقاً. لكن في كل الاحوال، ما نتابعه الان، ليست قصة رامي مخلوف، بل قصة سوريا نفسها التي تقف عند منعطف احداث ستغيّر ربما وجهها في وقت ليس ببعيد.