//Put this in the section
سمير عطا الله

الهبوط بلا مظلة – سمير عطاالله – النهار

“الباب إمّا أن يُفتح وإما أن يُغلق”.

الفرد دو يني




عاش جيلنا في كاتدرائية من الاسماء، مهما كانت متعارضة. كان جامعها الكِبر وهاجس الموقع في الإنسانية والناس: جون كينيدي وفيدل كاسترو. ديغول وفرنسوا ميتران. سارتر وريمون ارون. برتراند راسل وارنولد توينبي. ريجيس دو بريه ونعوم تشومسكي. كان المستوى الفكري والإنساني هو القاسم المشترك. تشي غيفارا الارجنتيني، كان مواطناً اول في كوبا وفي كولومبيا وفي موزامبيق وزنجبار ومقاهي بيروت. اليَسار كان حلماً حتى عند شباب العائلات الاريستوقراطية. اليساريون هنا، كانوا جنبلاط وثابت وفرنجية. حتى الشيخ عبدالله العلايلي حُسب على الجناح الايسر في الفكر برغم عمَّته البرّاقة. وإلى حد بعيد كان معيباً ان تكون وطنياً أو “مائعاً”، وأن تبقى وسطياً عاقلاً وضد العنف.

وقد ورث اليمين واليسار كره الوسط بسهولة مما سبق من موجات الفاشية والنازية التي دمرت اوروبا ورمَّدت تراثها العظيم. وسارت الموجات العمياء خلف شبق السلطة وعماء “الدوتشي” و “الفوهرر”. وفي اسبانيا لم تعد مرتبة عسكرية تتسع لفرانكو، فأصبح “الجنراليسمو”.

سقط اليسار في غفلة عن الجميع، وخصوصاً عن نفسه. لا استطاعت الشيوعية أن تحميه، ولا أن تتقبل وتتحمل الجانب الليبرالي فيه. وفي هذا كانت مساوية للفاشية والنازية: الزعيم هو الله. والباقون إما عبَدة وإما خونة. وكما قتلت محاكم التفتيش واحرقت الهراطقة، ارسل ستالين وهتلر وموسوليني رفاقهم إلى القبور والجوع والجليد. وكم كان قدر الكرملين فظاً ذات مرحلة عندما أمسك بعنقه رجلان من جورجيا: يوسف ستالين، ومدير مخابراته لافنتري بيريا. تأخر خروشوف واندروبوف وغورباتشيوف في الوصول. كان الاهتراء والصدأ قد أضعف الفولاذ.

كان البعض قد تكهّن بسقوط السوفيات من الداخل. لكن احداً لم يكن يصدق أن اليسار المتعقل والإنساني والخالي الغلظة، سوف يتلاشى ويزول هو ايضاً، حتى في الاجزاء الليبرالية والتقدمية من اوروبا، كما في ايطاليا وفرنسا والبرتغال. ولم يكن ذلك سيئاً في اي حال. فقد ظهرت قيادات نيِّرة في المانيا، وقيادات مضيئة في اسبانيا، بعد غياب فرانكو وزوجته والصحون الفضية التي كانت تهوى جمعها.

في هذا المتغير الهائل، غاب مصطلح عاشت عليه الاجيال منذ نهايات القرن الثامن عشر: الثورة. وما بين الماني يبيع أدوات المطبخ (ماركس) في لندن ليكرس نفسه للإنسان، وليبي غاب من دون ان يعرف احد اين ضاعت عشرات المليارات، اصبح تعبير الثورة مبتذلاً ومملاً، وصار عنواناً تهريجياً للسطو على الحكم وتدبير الانقلابات العسكرية، احياناً على ايدي الرقباء السابقين: موبوتو في الكونغو، وصامويل دو في ليبيريا، وعيدي امين في اوغندا، وبوكاسا في افريقيا الوسطى، وعلي عبدالله صالح في اليمن.

أخلّ غياب اليسار بالتوازن الدولي. وعادت الديكتاتوريات الفاشية تطل برأسها في بلدان اعتقدنا أنها نسيتها الى الأبد، مثل ايطاليا والنمسا والمجر. وفي بريطانيا انهزم اليسار العمالي التقليدي واخرج المحافظون الغلاة بريطانيا من الوحدة الاوروبية. ولعبت موجات الهجرة الافريقية والعربية دوراً اساسياً في ذلك.

وفي مركز الثقل الدولي، الذي هو الولايات المتحدة، هُزم اليسار الديموقراطي ومعه مثاليات بيرني ساندرز في وجه رجل غاضب ارسل 100 تغريدة في يوم واحد.لا تسل متى يتفرغ للحكم في بلد بحجم اميركا وأهميتها، فأنا لا اعرف. كل ما نعرف أنه يحاول اسكات الصحافيين ويتصرف غاضباً. ويحدث ذلك في البيت الأبيض والحديقة الوردية والبند الأول من الدستور. هذا ما قصدته عندما قلت ان العالم فقد توازنه عندما فقدت السياسة مستواها في كل مكان. وسوف تقول، وماذا عن خروشوف الذي ضرب بحذائه طاولة الأمم المتحدة بسبب الزيادة في معدل الفودكا؟ صحيح. ماذا عنه؟ لقد ابعده الرفاق بعد قليل. كما سوف يبعدون بوريس يلتسن بعد ربع قرن: الحرية في كمية الفودكا، في بيتك، ليس في الكرملين. بوتين يروّح عن نفسه ببطولة الجمباز. فإما الوطن، وإما المشروب الوطني.

كان قد عاد الى الثورة شيء من معانيها، عندما فاجأنا عدد كبير من اللبنانيين في شوارع وساحات وعلى جسور 17 تشرين. كانت تليق بهم ويليقون بها: صدق وصراحة وشجاعة ونُبل. خرج من البيوت لبنان آخر، شهم وعالي النفس، يحطم فخار الشعارات الفارغة والأنفس الصغيرة وطبائع الازدراء التافه. ثورة لا هي في اليمين ولا في اليسار، بل في اعلى مراتب النفس. لا تريد السلطة ولا تطلبها، وكل ما تطلبه هو ان تكفَّ الطبقة السياسية عن لبنان وعن اللبنانيين وعن العبث في مستقبل وحياة تلك الزنابق والورود والعقول والوجوه والقلوب، من شباب هذا البلد الواقع في براثن المكر والقهر والفقر والسقوط الحر في وادي التحجر.

تستوحي الثورات عادة الاموات، كما قال ريجيس دوبريه. لكن ثورة 17 تشرين كانت تسير وراء الحياة والأحياء. وكانت خليطاً مذوقاً من اليسار العائد، والوسط المستيقظ من جديد الى أن الحياة غير ممكنة إلا في مناخ من العدالة والقانون والوعي والشجاعة الأدبية.

ذكَّرتنا الثورة التي غابت في طيّات كورونا بالجيل الذي كان يكتفي في الماضي بكتاب أو حكاية أو صورة تغيّر حياته. “الارواح المتمردة” لجبران، أو فيلم “سبارتاكوس” أو قصة “الأم” لماكسيم غوركي. تروي دلال البزري (1) يومياتها في “العمل الشيوعي” ايام الصبا، فتكتشف ان احدى رفيقاتها “البورجوازيات” في الاشرفية استعارت كتاب “الأم” من صديقتها وتغيرت كل حياتها. من “مدللة” الى “مناضلة”. من الصديق “جان لوي” إلى “الرفيق محمود”.

رأينا ظلالاً كثيرة في هذه الاحاسيس في الثورة. ظلال طواها الماضي والخيبة والحرب، وظلال تبين مثل البراعم. وليس مهماً ابداً للثورة ان تنتصر. فالخير قليل الانتصارت، قليل الحظ، قليل الاوفياء. المهم في 17 تشرين أنها اظهرت لبنان على وجدان واحد، مهما كانت فظاظة السياسة متجذرة في الوقاحة والصلف وانعدام المشاعر. مَن يقرأ غوركي اليوم؟

هذا ما اقصده بالمستويات. مستوى المشاعر والقيم والمقدسات السابقة، كالانسان والعدالة والمشاركة وطوباوية المسؤولية، بدل هذا البحر من وحل الوصول. كم هو ضنين هذا العصر. لا خلاف إلا على القضاء. لا تراشق إلا بالفساد. كل فريق يتهم الآخر بالإخفاق وما من فريق لديه ما يفاخر به. والعزة ليست همّاً عند احد. ولا هي في القاموس السياسي او الأخلاقي.

فرحوا بالكورونا لأنه حظر على الثورة، تلك المسيرة النبيلة في سبيل المعذبين والمقهورين والمسلوبة حقوقهم واحلامهم. كان يروى ان وباء ضرب احدى المدن فقام رجل وزوجته بإرسال اولادهما الى منزل جديهما في الريف، خوف العدوى. وبعد ايام تلقّى الزوج برقية مختصرة من والديه: رجاء ارسال الوباء، استعيدوا الاولاد.

كم تهون كورونا عند اخلاق ومستوى جيوش الانترنت وذبابها، التي افلتت على نبلاء الثورة والمترفعين عن موسم الجراد. وقد لا تنتصر ثورة الاخيار والطيبين والمتواضعين. لكن الله لن يبقى على الحياد في حرب الظلام والظلم وتجارة التلوث.

(1) دلال البزري، “سنوات السعادة الثورية”، دار التنوير.