//Put this in the section

اخلعوا “ثوب المظاهر” حتى ولو تعرّوا من “ثوب الغلاء” – كاتيا سعد – باريس

لم يسلم أي سياسي من أفواه المواطنين بشكل عام، وبشكل خاص ممّن يعانون الجوع والفقر، والذين ينتمون إلى “الطبقة الوسطى” القابلة إلى الزوال على يد الطبقة الحاكمة. فافترش غالبيتهم الطرقات في زمن أطلق عليه “زمن الثورة”، غير آبهين بشتى وسائل القمع.

ولم يتوانى أي صحافي “حرّ” بقلمه وفكره، أن يفضي بكل المجازر التي تقام بحق المواطن من بوصلة الطبقة السياسية، وبطريقة غير مباشرة، من خلال “التطنيش” (التجاهل) عن تأمين أقلّ حقوقه لضمان العيش بأمان وطمأنينة. فاتّخذ من منبره الإعلامي المهني أو الخاص، فرصة للتعبير عن انتفاضته في وجه “الفساد” المتفشّي في كل أنواع المؤسسات دون أي استثناء.




ولكن.. الحقّ يقال، هذه المسؤولية لا تقع على عاتق المسؤول وحسب. من المقصود إذاً؟ وبكل أسف شريحة لا بأس بها من المواطنين معنيّون وبالتحديد ذوو الدخل المحدود. إنّ الحالة الاقتصادية لهؤلاء، جاءت كردّة فعل طبيعية لنمط الحياة الاجتماعية التي يشغلونها. المعادلة بسيطة جداً، من البديهي عندما تبني حياة بمقوّمات تفوق طاقتك، ما إن يتصدّع الأساس سوف يبدأ الانهيار، ولن تتشفّع فيك القدرة الإلهية التي تناشدها إيجاد حلاً للأزمة. كيف؟ ذلك لأن أزمة الوطن هذه المرة لم تكن هي وراء “وجه المظاهر” الذي ارتديته، كي حسب قولك “اقدر عيش متلي متل غيري، واتأقلم مع اللي عم يصير”. كما سواك؟ ليس المطلوب أن تعيش حياة مماثلة، ما دامت إمكانياتك لا تساوي سواك.

عذراً.. لا استطيع ان أتعاطف معك إلا لأنك إنسان، واحترامك واجب. ولكن ما عدا ذلك، لا يسعني أن أقدّر ظرفك الذي وضعتَ نفسك داخله.

ألتفتُ حولي، سواء من المقرّبين أو الأصدقاء أو المعارف الذين أقابلهم ويعملون في مجالات مختلفة، أستمتع إليهم وألتمس شكواهم. هذا طبعاً مع تكرار الجملة الأشهر في قاموس حديثهم “شو ع بالك عايشي برا وكل شي مأمّن”. ويغيب عن بالهم أن كل شي يُدفع ثمنه مسبقاً ويُقتطع من المعاش، يغيب عن بالهم أن حالنا في الاغتراب كان ليقف في صفّ شكواهم لو نتغاضى عن المثل “ع قدّ بساطك مدّ اجريك”. ماذا عساي أقول لهم؟ إن قلتُ الذنب ذنبكم، ينظرون إليّ وكأنني ارتكبت بحقهم مجزرة جماعية. وكل ما في الأمر أنني وجّهت الإضاءة نحو المشكلة، لأن الكماليات في حياة اللبناني – متواضع الدخل، تتفوّق على الأساسيات. فلنستعرض البعض منها من الأكثر استفزازاً إلى الأقل منها:

قرض منزلي، لمدى الحياة، من أجل شراء منزل في أفخم منطقة وبمساحة كبيرة جداً، وكأنّ المنزل لا يصلح للسكن اذا لم تتوفّر فيه ١٠ غرف؛

قرض مالي بآلاف الدولارات للمقبلين على الزواج. وكأن كلمة “نعم” لا يمكن قولها، متى لم تكن مرصّعة بالألماس في حفل “أسطوري”. حتى اليوم، لم يقنعني جوابهم “كلو مرة عم نتزوج”. أولاً، المثال كثيرة على زيجات فشلت وأعاد كل من الطرفين الزواج. وثانياً، كيف لحفل يوم واحد أن يتخطى طاقة الشريكين “المالية”، هذا إذا استثنينا العادات، التي هي بدورها لا أفهم مغزاها، حول هدايا العريس وأهله للعروس؛

سيارة بمواصفات خارقة full option، أو من أحدث طراز لا يتخطى السنوات الخمس الأخيرة. وكأن قيمتهم من عدد الأحصنة والسرعة؛

قرض من أجل عمليات التجميل، ظناً منها أنها ستصبح أجمل. والنتيجة؟ كم من وجه، أو مظهر خارجي، فَقَد جماله الطبيعي بعد التجميل؛

السهر في أشهر النوادي الليلية، واختتام السهرة بزجاجة شمبانيا أو أي مشروب أخر بمئات أو بآلاف الدولارات. وكأنّ السهرة لا تفي بالغرض متى كانت عكس ذلك؛

موبايل يفوق سعره المعاش. طبعاً، إن لم تكن صورة السيلفي ذو جودة عالية، فستتأثر نفسيته…

بانتظار أن يتعرّى المسؤول من “ثوب غلاء المعيشة”، فليخلع المواطن “ثوب المظاهر”، وليرتدي ما يتناسب مع مقاسه المادي. ذلك لن يزيل ثقل الفساد المتفشّي في كل بقعة من لبنان، ولكن على الأقل سيخفّف من عبء مصاريفكم. حينها فقط سيقلّ أنين شكواكم، وبالتالي ستتحسّن نفسيتكم. آن الأوان أن نقيّم أنفسنا، قبل أن نخرج إلى دائرة “السياسة” التي نأسف أنها وهي تحاول إقناع الشعب بمدّ يد المساعدة له، كل ما تفعله أنها تشدّه نزولاً دون أي رحمة. فرجاءً، لا توسّعوا بيكار نمط حياتكم ليخرج عن أُطر إمكانياتكم.