//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

مسرح العبث اللبناني – الياس خوري – القدس العربي

إنها لحظة لبنانية مبتذلة.

هناك نقاش صاخب ومفتعل حول الانهيار الاقتصادي يشارك فيه الجميع، وهو نقاش عقيم وبلا جدوى.




بدأ النقاش من مشروعي الكابيتال كونترول والهير كات، وهما فكرتان سُحبتا مؤقتاً من التداول، ووصل اليوم إلى ذروته مع شروط صندوق النقد الدولي، وقضايا السيادة الوطنية المرتبطة به، ومشاريع إنشاء صندوق توضع فيه الأملاك العامة في عهدة القطاع الخاص، وإلى آخره…

لم يكن هذا النقاش مطروحاً لولا تضافر عاملين: القمع المتعدد الأشكال الذي تعرض له شباب وشابات الانتفاضة على يد الميليشيات المسلحة التابعة لحركتي أمل وحزب الله، بمؤازرة نشطة من الأجهزة الأمنية، ووباء كورونا الذي أعطى حكومة الظلال التكنوقراطية هدوءاً في الشارع، سمح لها بأن توحي بأنها تسعى إلى الإصلاح.

مع هذين العاملين المتداخلين اتخذ النقاش وجهته الحالية، وامتلأت شاشات التلفزيون بمجموعة من المحللين الذين حولوا المسألة إلى قضية تقنية، وسحبوا الأسئلة الأساسية من التداول، وصار اللصوص يتفاصحون حول سبل إخراج لبنان من أزمته المالية وانهياره الاقتصادي!

السؤال ليس مالياً أو تقنياً، إنه سؤال سياسي وطبقي أولاً وأخيراً.

طرحت الانتفاضة الشعبية شعاراً أساسياً واحداً هو إسقاط النظام برئاساته الثلاث ورموزه وأحزابه الطائفية. فالشعب كان يعي أن الهاوية التي رُمي فيها لبنان يتحمل مسؤوليتها زعماء الطوائف والميليشيات وأصحاب الرساميل الكبيرة من مافيا المقاولين وأصحاب المصارف. الانهيار اللبناني الشامل له سبب أساسي هو النهب والفساد والهدر والتشبيح والكذب.

كيف يمكن معالجة الانهيار من دون معالجة سببه ومعاقبة مسببيه؟

لا يكفي أن يذهب وزير المالية إلى مفاوضة صندوق النقد وهو موافق سلفاً على شروطه الاقتصادية، كي تنحلّ الأزمة؟

أو كي تبدأ المساعدات في التدفق.

كل الناس يعرفون أن مصير المساعدات، هذا إذا أتت، وهي في أغلب الظن لن تأتي، هو النهب. فالمافيا ممسكة بمفاصل الدولة، وما الادعاءات الإصلاحية سوى جزء من تصفية حسابات بين زعماء المافيا.

كيف يتكلمون عن إقالة حاكم المصرف المركزي وهم عاجزون عن تعيين نواب الحاكم، بسبب بقاء التعيينات في إطار المحاصصة؟

كيف نصدّق جبران باسيل وهو يحدثنا عن العفاف، وننسى فضائح الكهرباء وابتلاعها نصف الدين العام؟ أو نصدق حرص بري والحريري على أموال المودعين؟

البروفيسور حسّان دياب، مشغول بتأليف كتاب عن إنجازاته في رئاسة الحكومة، فدولته يقف أمام مرآة نفسه، مصدّقاً أنه المنقذ، لكنه يرفض الاعتراف بحقيقة الواقع السياسي، وهو أن حكومته أسيرة أمراء الطوائف وزعماء المافيا، الذين أتوا بها وسموا أعضاءها.

أما زعماء المافيا، سواء تمثلوا في الحكومة أو عارضوها، فهم يعرفون أن لعبة الإصلاح هي مجرد حيلة، كي يصدّق الأمريكان والأوروبيون خدعة الإصلاح، ويقوموا برسملة بلد تم تفليسه، في عملية نصب لا سابق لها.

لذلك فالنقاش لا يعنيهم، إفقار الناس حصل، والليرة انهارت، والودائع شُفطت من البنوك، همهم الوحيد هو استمرارهم في السلطة، ليس من أجل مواصلة عملية النهب فقط، بل أيضاً من أجل التأكد من أنهم لن يحاسبوا، وأن الأموال التي سرقوها مع شركائهم من المقاولين سوف تبقى في جيوبهم.

هل تستطيع الزمرة الحاكمة حلّ مشكلة الانهيار الاقتصادي والمالي؟
من قال إن من هو سبب المشكلة يستطيع إيجاد أي حل؟

نحن في حكومة تصريف أعمال ممنوعة من الصرف، وفي متاهة كلام لا معنى له.

نعم، هناك أسئلة خيارات اقتصادية كبرى علينا أن نناقشها، لكن شرط النقاش هو أن ينقلع هؤلاء عن السلطة، ويُجبروا على الاعتراف بما نهبوه تمهيداً لإعادته إلى أصحابه.

عندها فقط نستطيع أن ندرس ما إذا كان الذهاب إلى صندوق النقد الدولي مجدياً؟ وعندها نستطيع أن نرسم سياسات اجتماعية واقتصادية جديدة، ويصير كل الكلام الذي نسمعه اليوم مجرد سيرك تهريجي لا معنى له.

خذوا مثلاً حكاية المعابر «غير الشرعية»، التي صارت همروجة إعلامية.
السلطة تريد أن تضحك على صندوق النقد عبر مصادرة شاحنات قليلة تهرّب المازوت أو الطحين إلى سوريا؟

تحفظنا على كلمة «غير الشرعية»، لأن المعابر الشرعية غير شرعية أيضاً، لكن لا أحد يفتح فمه.

هذه المسألة هي نموذج الابتذال. السؤال هو لماذا لا تسيطر الدولة على كل معابرها؟ عندها لا نعود في حاجة إلى طرح سؤال المعابر من أساسه.

أما مسألة الصرافين فهي نموذج آخر. كيف نحاكم صغار اللصوص لأنهم يتلاعبون بسعر الدولار في الوقت الذي وضع فيه المصرف المركزي ثلاثة أسعار للدولار؟

وأخيراً نأتي إلى التعيينات المستحيلة، وخصوصاً التشكيلات القضائية المجمدة لأسباب عونية. وطبعاً هناك همروجة محافظ بيروت، ويقظة طائفة «الروم الأرثوذكس» دفاعاً عن المحافظ ورفضاً لعدم استشارة «أعيان» الطائفة في مصير منصب مخصص لأحد وجوهها!

ويحدثونك عن محاربة الفساد، وعن الدولة المدنية، وعن مشروع الخروج من الأزمة الاقتصادية؟

هؤلاء الذين عاثوا في الأرض فساداً ويختبئون اليوم خلف مجموعة من الوزراء التكنوقراط الذين لا حول لهم، هم أنفسهم مولجون بمحاربة الفساد!

كأننا في مسرح عبثي بلا مستوى ولا لغة.

مسرح كوميدي بلا كوميديا، في لحظة تراجيدية يتم حجب ضحاياها.

الآن فهمنا لماذا فقأوا عيون الشباب بالرصاص المطاطي خلال الانتفاضة، ولماذا يستخدمون تقنيات منسوخة عن النظام السوري في تعذيب المعتقلين.

كان الهدف هو أن لا نرى سوى الظلال ونقتنع بالإفقار والبهدلة والنهب.

حتى لو نجح القمع والكذب، يبقى السؤال الكبير المتمثل في عجز العصابات الحاكمة عن إخفاء جثة وطن قتلته.

هذا الوطن الضحية سيلاحقهم وسينفض عنه رداء التعب، ليعيد المسألة إلى أصلها.

شرط مواجهة الانهيار هو محاسبة الذين تسببوا فيه وإسقاط سلطتهم.

وكل كلام لا يبدأ من هذا المدخل هو مجرد لغو.