//Put this in the section

بموضوعية مع حسن نصرالله – عدلي صادق – العرب

ليس من حق إنسان، لاسيما عندما يكون فلسطينياً، أن ينازع أصحاب خطاب المقاومةِ أهله. لكن الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في خطاب ذكرى مصطفى بدرالدين (13 مايو 2020) قدم رؤية للمشهد العام، في سوريا، وحرص على القول إنه يتحدث بشفافية، للمرة الأولى.

وضع نصرالله توطئة لحديثه، عن بداية الصراع في سوريا، لكنه تحاشى البدء – مثلما تقتضي البداية – من الأسابيع الأولى للانفجار. كل ما في الأمر في سرديته أن قوى إقليمية ودولية، ضاقت ذرعاً بصمود النظام وامتناعه على محاولات إجباره على التماشي مع سياق تصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي لم يكن هناك أي سبب لانفجار الصراع سوى هذا العامل. فكأن الشيخ نصرالله، لم يأخذ علماً بأوضاع سوريا الداخلية، ولا بمنظومة الاستبداد والنهب الواسع، العائلي والعصابي، لمقدرات البلاد، ولا يعلم شيئاً عن اقتصاد الريع والموانئ غير النظامية، ولا وضع اليد على الثروة الاجتماعية، ولا الاحتكارات الممسكة بالإنتاج والأسواق، ولا تكريس الطائفية في بُنية الدولة وتعاملات قوى الأمن، في الجهاز المدني الحكومي. فكل هذه وغيرها، ليست في خطاب نصرالله، إلا من صنع القوى الإقليمية والدولية التي حاولت إسقاط النظام. وكان المفترض من رجل فقيه أن يوازن قليلاً، وأن يعترف بشيء من تلك العوامل، وأن يقدم بالشفافية التي زعم أنه يتحدث بها، رأيه فيها، وما إذا كان قد حاول أن ينصح أو أن يقول كلمة حق، إنصافاً للعدالة ولشعب سوريا.




كذلك تجاهل تماماً الحدث، الشرارة التي أشعلت غضب السوريين، وكان بمقدور رأس النظام، بقليل من الحكمة، أن يمنع تمددها بالتصرف العقلاني والحد الأدنى من الحرص على دماء شعبه، وأن يتمثل موقف القاضي المبتدئ، الذي يحسم قضايا الحق العام وينصف المظلومين.

وكذلك أيضاً، يتجاهل “سيد المقاومة” أن السوريين، عندما وقعوا تحت القبضة الأمنية التي واجهتهم بالنيران، ظلوا لعدة أشهر يهتفون تحت النار والسياط “سلمية.. سلمية” ولم تكن هناك قوى تكفيرية، ولم يضطر الجنود والضباط الممتنعون عن قتل شعبهم، والعديد من عناصر الأجهزة الأمنية نفسها والكثير من الساسة أبناء النظام، إلى شق عصا الطاعة على الدولة، وتشكيل مجموعات عسكرية. وهؤلاء لا يعرفون قطر ولا السعودية ولا الفكر التكفيري، عندما وصل الأمر إلى انشقاق وهرب رئيس الحكومة نفسه.

لا نختلف مع نصرالله على أن الجماعات التي دخلت إلى الأراضي السورية، بعدئذٍ، واستغلت غضب الناس فاستقطبت عدداً منهم، موبوءة وشيطانية ولا قيم عندها ولا بوصلة لها. فهذه هي التي كانت مقتل الانتفاضة الشعبية. وربما يمضي وقت طويل، لكي تتكشف الحقائق عن بدايات انتشارها، وقد أسهم المتخاصمون جميعاً في إيجادها، سواء من خلال عمليات التسريب الاستخبارية المعقدة، كإطلاق الأشرار من السجون في سوريا والعراق، أو من خلال الواهمين الذين دفعوا بتلك العصابات الضالة إلى سوريا، ظناً منهم أنهم سيفوزون بسوريا بعد إسقاط النظام. فالمخابرات شاركت في الضخ إلى مناطق سكانية لكي يصح قصفها بالجملة، وهناك بعض الشواهد، وإسرائيل شاركت وهناك الكثير من الشواهد، ورجب طيب أردوغان شارك والشواهد أكثر مما تُحصى، ودول عربية شاركت وهذا معلوم، لكن الحماقة في النظام هي التي فتحت الباب لهؤلاء جميعاً.

نصرالله يقول إن الدولة السورية قد حققت في الحرب انتصاراً استراتيجياً. وعندما أطال في شرح هذا الأمر، لم يأت على سيرة الروس، لا على دورهم المركزي في “الانتصار”، ولا على غاياتهم من الزج بقواتهم الجوية لإبادة المجموعات التكفيرية مع الناس الذين ابتلوا بها. فقد دفع الشعب السوري ثمناً غالياً لإبادة هؤلاء. لكن الروس في السياق الدامي، حسب سردية نصرالله، ليسوا أكثر من حلفاء هبوا لنجدة النظام، لمنع تزحزح النظام السوري عن موقفه من القضية الفلسطينية!

في هذه الجزئية الأخيرة، يمكن القول إن النظام السوري لم ينخرط في تسوية لأن شروطها كانت إعادة معظم الجولان مقابل مساحة جغرافية اقتصادية مشتركة تتجاوز مدينة دمشق، ولم تكن العثرة في القضية الفلسطينية، وإنما في اعتراف الحاكمين في إسرائيل بما يُسمى “وديعة رابين”!

لم يقل لنا نصرالله أيضاً، ما هو شكل ومحتوى “انتصار” الدولة الاستراتيجي الذي يتحدث عنه، بينما الوقائع اليومية، تفيد بأن الروس عندما أبرموا اتفاقيات محلية، بينهم وبين مجموعات رفعت السلاح في وجه النظام، حددوا لها أطراً جغرافية تتحرك فيها بحرية ولا تدخلها قوات النظام، وكان ذلك على قاعدة لجم حركة قوات النظام، مقابل عدم تعرضها للهجوم. فهذا أمر ليس لصالح سيطرة النظام، بالتقييم الاستراتيجي التي يتحدث عنه نصرالله. نقول ذلك، على الرغم من قناعتنا، بأن انتصار النظام على المجموعات التكفيرية، أمر يتمناه كل من يريدون الخير لشعب سوريا. لكن هذا الخير لا يكتمل ببقاء النظام على حاله، بعد مئات الألوف من الضحايا والنازحين واللاجئين في أربع رياح الأرض، وبعد التدمير الكارثي للعمران ولمقومات حياة الناس.

كان واضحاً من خلال خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” أنه اضطر لوصف حديثه بالشفافية، والتعرض لمسائل مسكوت عنها، لكي يخفف من انطباعات الشعب السوري والأمة العربية حيال عدة معطيات. الأولى أن هناك تعارضا في الأهداف والمقاصد، بين روسيا وإيران، وأن الإيرانيين ينسحبون تحت وطأة الضربات الإسرائيلية، وأن إسرائيل تستعرض وتتظاهر بالتفوق لأن الإيرانيين لا يردون على الضربات بمثلها، وأن إسرائيل مأزومة وخائفة من تطوير الصواريخ وتجهيزها بمستلزمات دقة الإصابة. ومعلوم أن شرح فرضية “الانتصار” الاستراتيجي، تتطلب نفي هذه المعطيات، فتولى أمين عام “حزب الله” نفيها.

قبل التعليق على شرحه لهذه المسائل، نقول إننا نتمنى أن تفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية في سوريا وتنكفئ، لكن الذي يحدث مراراً وتكراراً هو ضرب أهداف ومخازن ومراكز وإشعال الحرائق فيها دون رد، وأن الروس في ممارساتهم على الأرض، يوسعون الفجوة بينهم وبين الإيرانيين، وتتعارض مقاصدهم.

يكرر نصرالله، مقولة حلفاء النظام. لكن المنطق يقول إن الحليف النبيل للنظام ينصح ويعترض على السياقات الخاطئة، لكي لا يسيء النظام لنفسه ولحلفائه. فلا يتغاضى الحليف عن فظائع السلوك المشهود لكي يتستر على حليفه. فطالما أنه يتدخل للدفاع عنه، فالأجدر به أن يتدخل لإثنائه عن الضلال، وهذا مبدأ في الدين الإسلامي. ربما يكون الروس، ولأسبابهم ومن خلفيات استراتيجيتهم، ينصحون أكثر مما يفعل الإيرانيون وميليشياتهم و”حزب الله”، على الرغم من كون الأصولية الشيعية، في خطاب التقوى، تتحدث عن المظالم الأميركية. لقد كان الأجدر بحسن نصرالله الإفصاح عن جملة أو جملتين، من النُصح لحليفه النظام السوري مدعي القومية العربية، ومنتحل اسم البعث المكروه من الإيرانيين، ومدعي العلمانية التي لا تقبل بها كل الأصوليات. ثم إن الدولة ليست هي النظام، لا في سوريا ولا في غيرها. فليس معنى غياب الأسد وعائلته – عمومة وخؤولة – أن لا دولة موحدة، وأن التقسيم هو المنتظر. فأية وحدة هذه التي أنجزها النظام، وقد زرع التباغض بين السوريين وطوائفهم وطبقاتهم؟

لم يكن نصرالله منصفاً ولا عادلاً ولا شفافاً في خطابه. أما إسرائيل، فقد لعبت وتلعب على كل الأطراف، وكان هدفها إدامة الصراع، وفي مرحلة من المراحل، كانت تستطيع القضاء على الأسد في أقل من دقيقة. فسوريا لا تزال مكشوفة لسلاحها الجوي بالتوافق مع الروس، والباقي عند أمين عام “حزب الله”.