//Put this in the section

أمام أكبر تحد تاريخي بوجه السلطة السياسية.. هل يخلع القضاة اللبنانيون ثيابهم؟

كشفت سلسلة أحداث وتصريحات لقادة ومسؤولين لبنانيين رغبة القوى السياسية لجم اندفاع القضاء نحو المحاسبة، وممارسة مهمته في مكافحة الفساد المستشري في البلاد، الذي يشهد منذ أشهر أسوأ أزمة مالية واقتصادية، تضع البلاد على حافة الانهيار.

ويعتبر محللون أنه لا يمكن النظر إلى أي سلطة في لبنان بصورة منفصلة عن الطبقة السياسية في البلاد، التي أشرفت على إنتاج كامل تركيبة الدولة بعد الحرب الأهلية، ففصّلتها على قياس مصالحها ومدت جذور نفوذها في أعمق نقاطها.




وأحدث الأمثلة على محاولة لجم القضاء، كان المؤتمر الصحفي لزعيم تيار المردة سليمان فرنجية، الأسبوع الماضي، حين جاهر بعرقلته للعدالة وتغطية مطلوب للقضاء اللبناني بشبهات فساد في إطار قضية “الفيول المغشوش”.

وفي المؤتمر الصحفي، لم يتوان فرنجية عن التشكيك بنزاهة القضاء ووصف القضاة بـ”المخبرين”، كما اتهم القضاء بالارتهان السياسي للتيار الوطني الحر، ورئيسه جبران باسيل رافضاً تسليم الشخص المطلوب للقضاء إلا وفق شروط.

“سليمان فرنجية تعدى مرحلة المس بهيبة القضاء أو التشكيك في نزاهته، ليتحول إلى “متستر على مطلوب ومعرقل للعدالة”، وفقا لما قاله النائب السابق والمحامي غسان مخيبر في حديثه مع موقع “الحرة”.
ورداً على سؤال حول مدى إمكانية الملاحقة القانونية في هذه الحالة، يوضح مخيبر أن هناك حصانات للشخصيات السياسية والعاملين بالشأن العام تمنع عنهم المساءلة .

وتنقسم تلك الحصانات إلى قسمين، الأول: حصانات قانونية يمنحها الدستور للنواب خصوصاً تعفيهم من المساءلة بسبب رأيهم، لكون مهمة النائب هي المحاسبة والتدقيق في أداء السلطات الأخرى.

أما النوع الثاني فهي الحصانات الواقعية والتي يستفيد منها السياسيون من غير المحصنين قانونياً، وذلك لإتاحة ممارسة النقد والمساءلة والمراقبة من أجل الإصلاح، إضافة إلى عدم القدرة على محاسبة هذه الشخصيات في الواقع اللبناني، بحسب ما يؤكد مخيبر، متسائلاً “هل يمكن اليوم لقاضٍ أن يرسل مباشرا ليبلغ حسن نصرالله باستدعاء قضائي؟ هذا ما يسمى حصانة واقعية وقد استفادت منها العديد من الشخصيات السياسية خلال الفترة الماضية في مواجهات خاضتها مع القضاء”.

ترفع تلك الحصانات عندما يمارس المواطن نقداً للقضاء ليتحول إلى ذم يعاقب عليه القانون، فيعيش المواطن اللبناني حالة من الضياع وازدواج المعايير بين ما يلزمه به القانون من احترام وإيمان بنزاهة القضاء كواحدة من مؤسسات الدولة، وبين ما يمارسه الزعماء السياسيون من توهين علني يؤثر على الرأي العام وموقفه منه، وعليه يجب على اللبناني أن يعيش حالة نفاق يؤمن فيها بما ليس واقعاً إذا ما خالفها فإنه يعرض نفسه للملاحقة القانونية كما حصل مع حالات كثيرة.

في المقابل، فإن القضاء يمثل الأمل الأخير للبنانيين بمؤسسات الدولة التي نخرها الفساد السياسي، فرغبتهم ملحّة بالتغيير والإصلاح والمحاسبة، والتي عبروا عنها عبر احتجاجات عمّت البلاد منذ 17 أكتوبر الماضي ولا تزال مستمرة، ضاعفت من مسؤوليات القضاء والمهمات المطلوبة منه، وأبرزها لعب الدور الحاسم في قضايا مكافحة الفساد وملاحقة تهريب الأموال من لبنان.

كذلك بالنسبة للإصلاح القانوني الذي يطالب به اللبنانيون على أكثر من صعيد، والإصلاح الداخلي في الجسم القضائي وإتمام التعيينات العالقة لأسباب سياسية، وليس انتهاءً عند مطلب الإسراع في المحاكمات التي تجري بوتيرة بطيئة جداً، يرزح بسببها مئات الموقوفين لسنوات في سجون مكتظة دون حكم في قضاياهم.

إلا أن هذا الدور إذا ما لعبه القضاء فإنه بالضرورة يعلن معركة مفتوحة مع السلطة السياسية المسؤولة الأولى عن إدارة الفساد في لبنان والمستفيدة منه. معركة دائما ما تحسم نتائجها قبل اندلاعها، أو مع أول احتكاك بين الطرفين، وتفوز السلطة السياسية، ويرضخ القضاء للتسويات. وسلاح القضاء الوحيد في هذه المعركة هو الثقة الشعبية وحصانة الشارع بوجه السلطة السياسية

يؤكد مخيبر في حديثه مع موقع “الحرة” أن القضاء اللبناني يرحب بالانتقاد، وفي المقابل يرى أن نظرة المجتمع اللبناني للقضاء عموماً سيئة. وبالتالي ممارسات السياسيين تجاه القضاء تعزز رأي المجتمع اللبناني فيه وتساهم في نزع الثقة عنه.

ويدعو النائب السابق للفصل بين القضاء كمؤسسة تعاني من الارتهان للسلطة السياسية، وبين قضاة نزيهين ومستقلين موجودين في لبنان تقع عليهم آمال الإصلاح القضائي واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسة.
تاريخ من التوهين والتدخل

“الضعيف من يلجأ إلى القضاء”، حين استخدم رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، هذا التعبير في معرض رده على رئيس البلاد، ميشال عون، إثر خلاف على ما عرف حينها بـ”مرسوم الضباط” في عام 2017، فقد قدم أبهى وصف لواقع القضاء اللبناني على امتداد التاريخ الحديث للبلاد ونظرة اللبنانيين له.

كما أن واقعة “هؤلاء القضاة هم قضاتك” المسجلة لوزير العدل السابق سليم جريصاتي مخاطباً أيضا عون، قدمت عينة مثالية عن تبعية القضاء للسلطة السياسية وانعدام مبدأ الفصل بين السلطات.

“قانون سيدخلنا جميعاً إلى الحبس”

اللافت أن القضاء اللبناني نفسه والمشرعين يعترفون بخضوع القضاء للضغوطات، وما إقرار قانون تجريم التدخل لدى القضاء أو ما يعرف بـ”استعطاف القاضي” (تعديل المادة 419 من قانون العقوبات) إلا اعتراف بانتشار هذه الظاهرة في لبنان.

خلال مناقشة هذا التعديل في مجلس النواب، نُقلت أجواء من الضحك عمت المجلس النيابي بعدما قال بري إن “هذا القانون سيدخلنا جميعاً إلى الحبس”، وهو ما يحمل تعميماً واضحاً لظاهرة التدخل في عمل القضاء.

وبينما كان القانون يعتبر استعطاف القضاة او الضغط عليهم جنحة بسيطة لا تتجاوز غرامتها الـ100 ألف ليرة لبنانية، بات بالتعديل المقر جرم يعاقب عليه بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تتراوح بين عشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور (6,750,000 ليرة لبنانية) ومائة ضعفه (67,500,000 ليرة لبنانية)، وتشتد العقوبة إذا كان مرتكبها موظفاً عاماً أو متولياً منصباً رسمياً مستخدماً نفوذه وموقعه”.

الحل في التعيينات والتشكيلات

يختم النائب السابق غسان مخيبر حديثه بالتأكيد على أن “آلية التعيينات والمناقلات القضائية هي المخرج الوحيد للقضاء من قبضة السلطة السياسية ونيل استقلاليته”.

وبالتالي فإن المدخل إلى ذلك يبدأ من كف يد وزير العدل عن التشكيلات القضائية، مقابل تفعيل دور مجلس القضاء الأعلى وحصر صدور التشكيلات فيه وفق معايير موضوعية، واعتماد الإنتاجية والكفاءة كأساس للتعيينات بعيدا عن المحسوبيات الطائفية والسياسية، وعدم نقل القضاة إلا في حالات انقضاء المدة أو ارتكاب مخالفة مسلكية لمنع حالات الابتزاز السياسي.

وأضحت التعديلات القانونية إلزامية، إذا ما أراد اللبنانيون استقلالية حقيقية للقضاء وفصلا بين السلطات، لا سيما النصوص العامة كالمادة 20 من الدستور اللبناني التي أناطت “بالمشرع”، أي السلطة السياسية، وضع نظام يقدم للقضاة وللمتقاضين الضمانات اللازمة، دون أي نصوص صريحة تمكّن السلطة القضائية من تحصين ذاتها والحفاظ على استقلاليتها.

أكثر الوقائع طرفةً في القانون اللبناني، تكمن في الأحكام الإدارية التي تنص على أن وزير العدل، المعين سياسياً في الحكومة، وبالتشاور مع مجلس القضاء الأعلى، المعين بدوره من قبل الحكومة، يحدد شكل الثوب الذي يجب على القضاة وكامل الجسم القضائي ارتداؤه في المحاكم وخلال أدائهم لوظائفهم، ما يعني أن القضاة الطامحين نحو الاستقلالية عن تأثير السلطة السياسية، عليهم “أن يخرجوا من ثيابهم” بدايةً.

الحرة