//Put this in the section

صرف تعويضات نهاية الخدمة في الضمان: المحظيون أولاً

سلوى بعلبكي – النهار

كشفت الأزمة الاقتصادية وأزمة الكورونا حجم المحسوبية والزبائنية في لبنان، ولا سيما في المؤسسات التي يفترض أنها تؤمن الخدمة العامة للمواطنين من دون تمييز كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فما الذي يحصل في هذه المؤسسة؟




دفعت الأزمة الاقتصادية الأخيرة في لبنان إلى تهافت المواطنين للحصول على تعويضات نهاية خدماتهم المستحقة من الضمان الاجتماعي. إلا أن أزمة كورونا دفعت الصندوق إلى التوقف عن تقديم خدماته اعتبارا من 11 آذار 2020، ثم أعاد تقديمها تدريجيا، وصولا إلى مذكرة المدير العام الأخيرة رقم 40 تاريخ 12 أيار 2020 التي تقضي بمعالجة تعويضات نهاية الخدمة.

تعالج طلبات تعويض نهاية الخدمة في الصندوق من كل من المديريتين الفنية والمالية. وتتولى المديرية الفنية استقبال طلبات التعويض ويعطى كل منها رقم تسلسلي، ليتم تصفيتها لاحقا أي تحديد قيمة التعويض والتسوية المتوجبة على المؤسسات، فيما تتولى المديرية المالية مراقبة ودفع هذه التعويضات.

وفي هذا الإطار، يقتضي التمييز بين معالجة الطلبات المقدمة سابقا، أي قبل التوقف عن تقديم الخدمات، وتلك المقدمة خلال فترة التوقف. ففي قراءة للوائح التي ينشرها الصندوق على مواقع التواصل الاجتماعي للطلبات المنجزة والمقدمة قبل فترة التوقف، يلاحظ حجم الفروقات بين أرقام هذه الطلبات. مثلا تنتهي اللائحة الأولى المنشورة بتاريخ 28 نيسان بالرقم “547744”، فيما تبدأ اللائحة الأخيرة المنشورة بتاريخ 13 أيار بالرقم “502769”.

قد يبرر البعض أن هذه الفروقات ناتجة عن التأخر في متابعة الطلبات، ورغم أن هذا التبرير، قد يصح أحيانا، إلا انه في الحقيقة غير واقعي، فحجم الفروقات واضح بين أرقام الطلبات المنجزة. ناهيك عن أن هذه اللوائح لا تتضمن أرقام طلبات “المحظيين” الذين يتم التواصل المباشر معهم لاستلام شيكاتهم.

وبالانتقال إلى فترة التوقف عن استقبال الطلبات، يتبين أن الصندوق تسلم نحو 400 طلب نهاية خدمة تعود لـ “محظيين” تمكنوا من الوصول إلى هذه الخدمات عبر نافذين. لتتحول الخدمة العامة من كونها “حقوق مكتسبة” للمواطنين إلى “بيعها” للزبون الذي يقدم عائدا أفضل.

وادى هذا النهج في التعامل مع تعويضات المضمونين، إلى خسائر مادية كبيرة للكثير من المضمونين المستحقين لمصلحة آخرين “محظيين”. مثلا، إن معالجة طلب أحد المضمونين “المحظيين” قبل موعده بفترة وجيزة -شهر مثلا- قد رتب خسارة تقدر بنسبة 27% من قيمة تعويض مضمون آخر مستحق، وهي الخسارة الناتجة عن ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة.

وأكبر دليل على الاستنسابية في التعاطي مع المضمونين هو أنه في الفترة التي كان فيها الضمان مقفلا أمام استقبال طلبات نهاية الخدمة أي بين 27/03/2020 و11/5/2020 استلم الصندوق نحو 300 طلب نهاية خدمة من دون ان يعرف كيف تمكن هؤلاء من تقديم طلباتهم ومن استقبلهم في مكاتب الصندوق، ليتبين لاحقا أن أبواب الصندوق قد فتحت لهؤلاء “المحظيين” فيما الأبواب عينها كانت مقفلة أمام المئات من المضمونين المستحقين للتعويضات ولم يتوافر لها الفرصة لتقديم طلباتهم.

وتبين أيضا أنه بتاريخ 12/5/2020 وحده، أي في اليوم الذي أصدر فيه المدير العام المذكرة التي تقضي بمعالجة تعويضات نهاية الخدمة (أصدرها الواحدة بعد الظهر)، كان الصندوق الذي كان من المفترض أنه مقفل أمام استقبال طلبات نهاية الخدمة، استلم نحو 90 طلبا. الأمر الذي يفسر أن هذه المذكرة قد جاءت تغطية لهذه الممارسات.

يكفي أن نورد حالتين من بين آلاف الحالات المشابهة في الصندوق، لتبين مدى الاجحاف في حق مضمونين لا يجدون وسيطا يعطي الأولوية لمعاملاتهم دون غيرهم. الاستنسابية في التعاطي مع معاملات المضمونين تسببت في حالة معاملات تصفية نهاية الخدمة بخسارة تقدر بنسبة 50% من قيمة تعويضات البعض المستحقة منذ أشهر.

الحالة الأولى هي لمضمونة كانت تعمل كعاملة تنظيفات في احدى المؤسسات، قدمت طلبا للحصول على تعويض نهاية الخدمة في عام 2017. وبما أن المؤسسة التي كانت تعمل فيها لم تنظم لها مستندات نهاية الخدمة، أحيل ملفها إلى مديرية التفتيش والمراقبة التي أنجزته بعد سنتين. ثم وضع ملفها في الدرج في انتظار استلام المؤسسة لهذه التسوية، هذا رغم أن الإجراءات المعتمدة في الصندوق تقضي بالاستمرار في معاملة دفع التعويض بعد مرور شهر على تبليغ المؤسسة بقيمة التسوية، وهذا لم يحصل، مما تسبب لغاية تاريخه بخسارة تقدر بأكثر من 50% من قيمة تعويضها.

أما الحالة الثانية فهي لمضمونة تقدمت بطلب نهاية الخدمة بتاريخ 15 نيسان 2020، أي في فترة توقف الصندوق عن استلام الطلبات. وعلى الرغم من هذا، أنجزت معاملتها بسرعة قياسية: في 15/4/2020 قدمت الطلب، وفي 16/4/2020 تمت تصفيته (تحديد قيمة التعويض)، وفي 23/4/2020 تمت مراقبته، وفي 13/5/2020 أصبح بإمكان المؤسسة استلام تسوية نهاية الخدمة.

عرض هذه الحالات، لا يعني أن طلبات نهاية الخدمة يجب أن تستغرق وقتا أطول، إنما في ظل النقص في الموارد، ينبغي أن توزع هذه الموارد بشكل عادل على مستحقيها. وفي الوضع الراهن من المفترض أن يكون للمضمونة التي تقدمت بطلبها مسبقا حق الأولوية في الحصول على هذه الخدمة. طالما أن معيار المساواة هنا هو تاريخ تقديم الطلب.

هذه الممارسات في تقديم الخدمة العامة ما هي إلا عينة عما يحدث في الفضاء العام، ويثير الكثير من الأسئلة حول مدى كفاية واستقلالية الأجهزة المولجة في تقديم هذه الخدمات. والآليات التي اعتمدت في تعيين القيمين في الوظائف المولجة بتقديم هذه الخدمات.