//Put this in the section
فارس خشان

الخارجون عن القانون يحكمون… لبنان – فارس خشّان – الحرة

في 21 يونيو 2019 نشرت، في هذه الزاوية، مقالا بعنوان “لصوص…لبنان”. موضوعه معابر التهريب بين لبنان وسوريا.

واليوم، عاد هذا الملف إلى الواجهة اللبنانية مجددا، من النقطة نفسها التي كانت قد أثيرت، قبل أحد عشر شهرا، وكان آخرون قد أثاروها، تباعا، منذ خمسة عشر عاما.




ومن متابعة هذا الملف المرهق ماليا واقتصاديا للبنان، يظهر، بشكل لا لبس فيه، أن المسؤولين اللبنانيين، على تنوع انتماءاتهم، يعرفون أدق تفاصيله، ولديهم خرائط واضحة عن المعابر غير الشرعية، كما عن الثغرات التي يحكم بها غير الشرعيين ضمن المعابر الشرعية نفسها.

وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في كلمة متلفزة خصصها للدفاع عن نفسه صدا لهجوم يتعرّض له، كشف، قبل أسابيع قليلة، كلفة التهريب من لبنان إلى سوريا، فحدد أنه على مدى خمس سنوات استورد لبنان لـ”حاجة غيره” مواد تصل قيمتها إلى عشرين مليار دولار أميركي، موزعة بمعدل أربعة مليارات دولار سنويا.

وهذا الرقم الذي حدده سلامة أوّلي، لأن لبنان كان، على مدى الخمس سنوات الأخيرة، يوفّر الدولارات من الخارج، بفوائد مرتفعة ومتراكمة تتراوح بين 8 و14 بالمئة سنويا.

وتصبح لهذا الرقم ميزة خاصة، عندما نعرف أن الحكومة اللبنانية الحالية تطمح إلى استقطاب ما مجموعه عشرين مليار دولار أميركي، من “صندوق النقد الدولي” ومن الأموال الموعودة لـ”لبنان الصالح” في مؤتمر “سيدر” الباريسي.

وهذا يفيد بأن لبنان، خلال الخمس سنوات الماضية، خسر بتهريب مواد أساسية، مثل الفيول والطحين، من احتياطاته بالعملات الصعبة، ما يفوق حجم طموحاته الاستقطابية الحالية للأموال.

هذه الكارثة المالية ـ الاقتصادية كان يمكن تجاوزها، لو أنها أصبحت فعلا ماضيا، لكن الأمور ليست كذلك، إذ يتضح أنها ليست فعلا حاضرا فحسب بل هي “فعل مضارع”، أيضا.

ومن يراهن على مصداقية الحكومة اللبنانية لوضع حد لهذا التهريب، بموجب مقررات اجتماعها الأخير، يجهل طبيعة التركيبة السلطوية اللبنانية، فالمهربون ليسوا عصابة خفية تخرق القانون بحرفية، بل يشكلون مجموعة من صلب السلطة نفسها، لها “فلسفتها”، وتملك ما يكفي من قدرات لفرض إرادتها.

ويكفي في هذا الإطار، الالتفات إلى ما قاله الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله، في آخر إطلالاته التلفزيونية، إذ اعتبر أن مكافحة التهريب بين لبنان وسوريا مهمة مستحيلة من دون تنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية.

و”حزب الله” في موضوع التهريب هذا، ليس مجرد صاحب رأي، بل هو “متهم”، بأدلة مادية ومنطقية.

وهذا “المتهم” هو في آن “سيّد الحكومة” التي يراهن عليها البعض، بسذاجة، لوضع حد لواحدة من أسباب إيصال لبنان إلى كارثته الراهنة.

والحل الذي طرحه نصرالله لمكافحة التهريب مثير للسخرية، ليس لأنّ “المتهم” ينصّب نفسه مشترعا وقاضيا، فحسب بل لأنه “يستغبي” اللبنانيين وجميع المهتمين بهذه المسألة الشائكة.

ومرد هذا الاستغباء أن نصرالله يوحي وكأنّ التهريب المشكو منه يجري على بغال وحمير تعبر منافذ وعرة، مما يقتضي انتشارا واسعا على طول الحدود التي تفصل لبنان عن سوريا. في الواقع، إن هذا التهريب يتم، بواسطة صهاريج وشاحنات، و”على عينك يا تاجر”.

أكثر من ذلك، إن الجهة السورية التي يشترط نصرالله التفاوض معها لمكافحة التهريب، متهمة هي الأخرى، بالتكافل والتضامن مع “حزب الله”، ذلك أن المخابرات السورية هي التي تستقبل الصهاريج والشاحنات المحملّة بالمواد المهرّبة من لبنان، وتستفيد منها، استعمالا واتجارا وكسبا.

أكثر من ذلك، فإنّ “حزب الله” الذي ألحق أضرارا كبيرة بلبنان، عندما ذهب ليحارب إلى جانب النظام السوري، رغما عن أنف لبنان، كان يمكنه، لو لم يكن متورطا، ورغما عن أنف لبنان أيضا، تقديم خدمة لبلاد الأرز المأزومة ولشعبها المنهوب، بتوسيع تنسيقه مع النظام السوري، لضرب التهريب والمهربين.

على أي حال، فإن تورط “حزب الله” والمخابرات السورية بملف التهريب، شكّل الخلفية التي ظهرت في قرارات الحكومة التي هدفت، في الواقع، إلى احتواء “الفضيحة” وليس إلى وضع حد لها.

هذه الحكومة التي تنبش ملفات خصومها وترفع شعار استرداد المال المنهوب، ضربت، في ملف التهريب الذي يعتبر ثاني أضخم أسباب الكارثة المالية في لبنان بعد ملف الكهرباء، صفحا عن الماضي، وتجاهلت العصابة المنظمة، وكرست اهتمامها على ما تعثر عليه مهرّبا على الطريق، من الآن فصاعدا.

ويشكل ملف التهريب وطريقة التعامل معه على الرغم مما كبده للبنان من خسائر، مجرد نموذج عن المقاربات الرسمية المخادعة للمشكلات اللبنانية المتراكمة.

وهذه المقاربات لا تبشر بمستقبل واعد، حتى لو تغاضى المجتمع الدولي عن المواصفات السياسية والإصلاحية المفترض توافرها في أي دولة، ومنح لبنان بعض الأموال الملحة، درءً للجوع الذي يطرق أبواب اللبنانيين.

إنّ الأزمات الحادة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعجز الحكومات المتعاقبة عن حلها، ولو حسنت نيات القائمين عليها، تكمن في “استثنائية” دولة لبنان، المسكوت عنها، رضاء أم قسرا.

إن لبنان يحتاج إلى جهد كبير وتضحيات جسام، حتى يصبح دولة طبيعية.

ليس المهم من يؤيّد “حزب الله” أو يعارضه، ومن يعتبره “حركة مقاومة” أو “تنظيما إرهابيا”، بل المهم أن يتم احتساب كلفته على لبنان وعلى شعبه.

أدبيات الجهات التي تعتقد بأنها تنطق باسم الدولة اللبنانية معقولة، ولكنها من دون جدوى، طالما أن “حزب الله” يمسك بالقرار، ليس بفضل حنكته وشعبيته وجهده، بل بفضل سلاحه الذي أذاق اللبنانيين، مرارا وتكرارا، طعمته الدموية المرعبة.

و”حزب الله”، في كل ما يتصل بالدولة اللبنانية، له وجهة نظر أخرى: في الحرب، في العلاقات الإقليمية، في التعاطي مع المجتمع الدولي وقراراته، في موقع إيران، في دور آل الأسد في سوريا، في وظيفة لبنان، في نظامه المصرفي، في دوره السياحي، وخلافه.

ومشكلة وجهة النظر هذه التي يحميها سلاح ومال إيرانيان وعقيدة من الطبيعة نفسهـا، أنها يستحيل أن تفرض نفسها إلا على ركام الدولة.

وفي المقابل، وحتى تاريخه، لا وجود لمن يملك القدرة على التصدّي. حتى الجهات التي كان يرجى منها الصمود تتعرّض للتفتيت. نظرة سريعة على حال القوى التي خرجت من الحكومة، كما على حال ثورة 17 أكتوبر، تكفي.

لسوء حظ الشعب اللبناني أنّ الطبقة السياسية تقدّم له كل يوم عرضا مسرحيا يسلّيه، مثل “صراع الأخوين” و”أطماع العديلين” و”قضاء المظلومين”، فيلتهي عن حقيقة مرة وموجعة ومكلفة، وهي أن الخارجين عن القانون… يحكمونه.