//Put this in the section
راجح الخوري

نهبوا البلد… صحتين! – راجح الخوري – النهار

لا مجال لأي عملية إصلاح في هذا البلد الذي ينخره الفساد والذي دفعه الى أعماق الإفلاس، ليس لأن “خطة الإنقاذ الاقتصادي” التي تفاوض الحكومة صندوق النقد الدولي على اساسها، مجرد ضربٍ على “الحوافر السياسية” فحسب، بل لأنها عملياً تشجع السياسيين وأزلامهم الذين افلسوا البلاد، على المضيّ في النهب والسرقة، وتعمّق سيطرة هذه الطبقة من النهّابين على ما تبقى من قبضة الدولارات التي هي ملك الناس لا ملك دولتهم المفلسة تماماً.

ليس في هذا الكلام أي مبالغة او تجنٍ على المسؤولين والسياسيين، الذين بدأوا مفاوضات مضحكة مبكية مع صندوق النقد الدولي، الذي لن يلقي ملياراته في هذه الهوة السياسية السوداء، لسبب واحد على الأقل هو ان الذين نفاوضهم توقفوا ملياً أمام ذلك التعديل الملغوم، الذي تمّ إدخاله خلسة او قصداً وتهرباً أو نتيجة ضغوط سياسية متوحشة، على النسخة النهائية مما سُمّي “الخطة الإصلاحية” التي أُعلِنت في قصر بعبدا تحت عنوان “اليوم التاريخي” كما سمّاه الرئيس ميشال عون.




ما هو هذا التعديل الذي ينسف الإصلاح من أساسه؟

إنه تحديداً القيام بعملية مشبوهة ووقحة بدت واضحة في النسخة النهائية من الخطة عندما تبيّن انه تمّ شطب أهم بند فيها، وهو الذي كان ينصّ على تكليف شركة عالمية التدقيق في حسابات العاملين في الشأن العام من سياسيين وعائلاتهم وذويهم، والذين يملكون ما يزيد عن مليون دولار، وهو ما يؤكد ان الضغط السياسي الذي مورس لإلغاء عمليات التدقيق وهي الأهم في الخطة، يعني تماماً ان لا معنى لأي إصلاح، لأن الذين نهبوا يبقون في معزل عن أي عملية مساءلة او محاسبة، باعتبار ان الشعب اللبناني هو الذي سرق وأوقع نفسه في الإفلاس والجوع!

الغريب ان ما يوحي تقريباً بهذا بدا في تصريحات الرئيسين ميشال عون وحسان دياب في ذلك “اليوم التاريخي”، يوم قال عون ان صندوق النقد الدولي هو الممر الإلزامي للتعافي، مشدداً على التزام الجميع المسار الإصلاحي، ولكن البلد أحوج ما يكون في هذه الأيام الى تجاوز تصفية الحسابات والرهانات السياسية، طالباً الإتحاد للتغلب على الأزمة المستفحلة وتغطية الخسائر، ثم تبعه دياب ليدعو كل الاحزاب والفاعليات والهيئات الاقتصادية والمصارف الى التوقف عن السجالات والتخلص من الأوهام المصلحية.

ولم يكن كثيراً ولا تجنّياً يومها، عندما كتبت في هذه الزاوية ما معناه انه يمكننا ضمناً ان نفهم من كلام الرئيسين ما يشبه القول “عفا الله عما مضى”، وجاءت الترجمة واضحة وجلية في إلغاء الفقرة الداعية الى تكليف الشركة العالمية التدقيق في حسابات العاملين في الشأن العام وعائلاتهم، والمعروفين بكلمة

“peps”، وبهذا يسقط كل معنى الشعار الذي كان قد رفعه دياب حينما قال أمام حشد من سفراء الدول المانحة “ان الفساد هو الدولة”، فإذا كان الآن لم يعد مطلوباً التدقيق في حسابات الفاسدين الذين هم الدولة، ففي حسابات الجائعين والعاطلين عن العمل يتم التدقيق؟

لعلها قمة المسخرة، وخصوصاً اذا تذكرنا الإنذار الفرنسي – الأميركي والأوروبي الذي صدر في 19 كانون الأول الماضي ضد الطبقة السياسية في لبنان وقال “إنها مجموعة من الفاسدين والسارقين”، وهو ما لا يتنافى مع كل ما قاله عون عن المال المنهوب الذي أوقع لبنان في الإفلاس، وعن ضرورة محاكمة الذين نهبوا واسترداد كل المليارات التي نهبوها. فماذا جرى ليتم اسقاط أهم بند في خطة الإصلاح، أي عدم مساءلة السياسيين، وهل يمكن بعد هذا ان يقتنع صندوق النقد “الالزامي” بأننا فعلاً نملك خطة إصلاحية؟