//Put this in the section
حازم الأمين

“حزب الله” لن يترك فرنجية وحيدا – حازم الأمين – الحرة

لا أحد أكثر تمثيلا للنظام اللبناني من سليمان فرنجية. فالرجل ابن هذا النظام منذ ولادته، وأيضا منذ ولادة فرنجية نفسه، ترافقا في معظم محطاتهما، ولم يفترقا في أحلك الظروف وفي أكثرها انفراجا. وهذا الأسبوع شهدنا واحدة من علامات التصاقهما، إذ ظهر فرنجية في مؤتمر صحفي وكشف لنا ما نعرفه أصلا، لكن هذه المرة سمعناه من “أم الصبي”.

الفساد ليس سمة عارضة في لبنان. إنه شيء جوهري، لا تستقيم السلطة من دونه. لا أحد يمكنه أن يمارس السلطة بعيدا منه. سليمان فرنجية زعيم لأنه شريك في هذه المعادلة. قال الرجل إن الدولة تقف عند حدود نفوذه، وهو نفوذ ممتد على مساحة ضيقة على كل حال. ففرنجية شريك في زعامة المسيحين، لكنه ليس زعيمهم، لا بل هو الرقم 3 أو ربما 4 في الطائفة، وهو على رغم ذلك، يمكنه أن يعلن أن موظفا طلبه القضاء اللبناني واتهمه بالفساد، يقيم الآن بحمايته، وهو لن يسلمه للعدالة، وهو إذ يقول ذلك، يعرف أن أحدا لن يجرؤ على تحدي إرادته. هذا هو لبنان.




النظام أمد فرنجية بهذه القوة، لكن ما أمده أيضا بها هو يقينه بأن شركاءه في هذه الشركة الفاسدة والمفلسة لا يقلون عنه انتهاكا وامعانا بالفساد. هنا تنتصب المعادلة لتعبر عن جوهر ما يجري اليوم في لبنان. فالنظام يكشف عن وجهه الحقيقي غير آبه بما يعنيه ذلك. سليمان فرنجية حليف “حزب الله” وشريك التيار العوني في الحكومة، وابن علاقة الاستتباع مع النظام السوري، ومرشح سعد الحريري لرئاسة الجمهورية وزعيم زغرتا، كل هذه الأوصاف تكثفت في يوم مؤتمره الصحفي، ونجم عنها إعلانه أنه سيحمي موظفا يتهمه القضاء بالفساد!

جرى ذلك في وقت كثفت فيه السلطة التي صدر عنها فرنجية، إجراءات القمع والحد من الحريات. فعلت ذلك لتفسح لفرنجية وأشباهه الكثر المجال لمزيد من الغطرسة. القضاء العسكري استدعى أيمن شروف بسبب كتابات “نالت من هيبة المؤسسة العسكرية”. علينا أن نقرأ هذه العبارة في ضوء كلام فرنجية. فهنا الحديث عن هيبة كل ما تمثله الدولة من معاني. شروف لم يعلن أنه يخبئ فاسدا في منزله، ولم يقل إنه شريك في توزيع مغانم الدولة ولن يقبل بفتاتها.

والسلطة أيضا استدعت ديما صادق، أيضا بسبب ما قالته أو كتبته، وهنا أيضا علينا أن نستقبل خبر استدعاءها في ضوء كلام فرنجية. كل شاردة وواردة في هذه الدولة وفي هذا البلد علينا أن نعاينه في ضوء ما قاله الشريك الأصغر في هذا التحالف الذي يحكم لبنان منذ ثلاثة عقود.

لكن فرنجية محق أيضا، وهو إلى ذلك، يحاول ألا يكذب على اللبنانيين. قال أنا ابن هذا النظام، وأنا شريك فيه، وأريد حصتي منه، وفي سياق كلامه قال أيضا إن لبنان ليس بلدا نفطيا، وإن الفساد الذي يتهم فيه الموظف الذي يحميه، جرى في وزارة على رأسها وزير عوني منذ أكثر من عشر سنوات، وهذه الوزارة تولت إفلاس لبنان، وأن الفشل والفساد لا يقتصر على رَجُلهِ، وهو لن يسلمه إلى قضاء منحاز لخصومه الذين هم شركاؤه في دولة الفساد والارتهان.

كل ما قاله فرنجية صحيح. القاضية التي استدعت الموظف، هي اليوم في منصبها لأن رئيس الجمهورية لم يمرر التشكيلات القضائية التي طلبت نقل القاضية من موقعها. وفرنجية الذي يطالب بحصته من جبنة الفساد، يفعل ذلك مدركا أن حصته أقل من حصة الشركاء الأكبر في الدولة وفي الطائفة وفي الحكومة. وهو إذ ينجح بتعيين مدير في وزارة الطاقة، لا يطمح، بفعل واقعيته، إلى تعيين وزير لهذه الحقيبة التي أدرت ذهبا لأصحابها في التيار العوني، وجرت على اللبنانيين انهيارا اقتصاديا وماليا هائلا.

نظام الفساد والفشل والاستتباع يعيش اليوم أحد تجلياته. السياسيون الفاسدون من أركانه يتقاطرون على القضاء لـ”كشف الفساد”، وهم كانوا بأنفسهم حولوا هذا القضاء إلى جزء من مساحات نفوذهم وقسموه حصصا يتنازعون حولها. وسليمان فرنجية ظهر غاضبا في يوم مؤتمره الصحفي، لأن نصابا سياسيا وقضائيا تم تشكيله في غفلة منه. شعر الرجل أن النظام بصدد الانقضاض عليه، وهو الذي نشأ في ظله وتحت رعايته. انتفض الرجل وأخرج ما بجعبته من أوراق. النظام بدوره لن يخذل ابنه، فالدولة العميقة هي “حزب الله” وليست جبران باسيل أو ميشال عون. “حزب الله” لن يترك فرنجية وحيدا.