//Put this in the section

واشنطن وطهران اتفقتا في العراق على الكاظمي.. صفقة سرية شملت الإفراج عن أموال إيرانية وتهدئة في الخليج

كشفت مصادر سياسية عراقية بارزة أنَّ تعيين مصطفى الكاظمي رئيساً لحكومة العراق جاء نتاجاً لصفقة غير رسمية بين الولايات المتحدة وإيران، التي وافقت فيها الجمهورية الإسلامية على دعم رئيس المخابرات السابق مقابل وقف تجميد بعض الأصول التي تستهدفها العقوبات الأمريكية.

بحسب المصادر العراقية، التي تحدثت لموقع Middle East Eye البريطاني، الخميس 14 مايو/أيار 2020، فلن تتغير استراتيجية “الضغوط القصوى” التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران، لكن واشنطن وافقت على التهدئة العسكرية في الخليج و”غض الطرف” إذا أفرجت دولة طرف ثالث في أوروبا عن بعض الأموال الإيرانية المُجمّدة حين تدخل العقوبات الاقتصادية حيز النفاذ.




إعلان حرب: وحتى وقت قريب، وتحديداً في 4 مارس/آذار 2020، وصف القائد الأعلى لكتائب حزب الله العراقية المدعومة من إيران، أبوعلي العسكري، ترشيح الكاظمي لمنصب رئاسة الوزراء بأنه “إعلان حرب على الشعب العراقي”.

حيث اتهم العسكري الكاظمي بالتورط في غارة الطائرات بدون طيار الأمريكية التي قتلت اللواء قاسم سليماني، وقائد الميليشيات ذا النفوذ أبومهدي المهندس، وهو الاتهام الذي نفاه جهاز المخابرات الوطني العراقي صراحةً.

كذلك أعلن بعض قادة الميليشيات الشيعية وشخصيات سياسية أخرى عن معارضتهم الشديدة لترشيح الكاظمي، ومع ذلك أقر البرلمان العراقي بأغلبية مؤيدة الحكومة التي شكَّلها الأيام القليلة الماضية.

تهديدات وترشيحات: وعلى الرغم من أنَّ كتائب حزب الله واصلت تهديد الكاظمي شخصياً، سمحت فصائل سياسية شيعية أخرى تخضع للنفوذ الإيراني بترشيحه.

حيث تقول المصادر العراقية إنَّ صفقة سرية بين واشنطن وطهران هي ما يفسر هذا التحول المفاجئ؛ إذ وافقت إيران على تنازل الفصائل الشيعية التابعة لنفوذها مقابل بعض التخفيف للعقوبات الأمريكية التي تعرقل اقتصادها وكذلك وقف تجميد بعض الأصول في أوروبا.

رفض عراقي: في حين رفضت المصادر العراقية الكشف عن الدولة التي سيُرفَع فيها التجميد عن الأموال الإيرانية، وأشارت إلى قرار اتخذته محكمة في لوكسمبرغ في أبريل/نيسان 2020 برفض طلب أمريكي بتحويل 1.6 مليار دولار من الأصول الإيرانية إلى ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول في قضية تعود لعام 2012.

إلى ذلك تمتلك إيران أصولاً مجمدة لدى شركة المقاصة Clearstream -مقرها لوكسمبورغ- المملوكة لشركة Deutsche Boerse الألمانية. وأشاد الرئيس الإيراني حسن روحاني بقرار المحكمة، وقال إنَّ طهران حققت انتصاراً قضائياً بشأن الأصول المُجمَّدة منذ وقت طويل في لوكسمبورغ بناءً على طلب واشنطن.

وقال مصدر على دراية بالصفقة السرية: “نجح الأمريكيون في الحصول على رَجُلهم، والإيرانيون على أموالهم”.

أضاف: “المحنة الاقتصادية التي يواجهها الإيرانيون، وجميع الصعوبات التي يمرون بها منذ اغتيال قاسم سليماني، أضرّت بهم كثيراً. وكانت هناك مفاوضات، وانتهت الصفقة بتقبُّل الإيرانيين لذلك الرجل (الكاظمي) وقالوا لحلفائهم أن يصوتوا له”.

تخفيف التوترات في الخليج: هذا وقد طُلِب من الكاظمي في أبريل/نيسان 2020  تشكيل الحكومة بعد محاولات فاشلة لتعيين محمد توفيق علاوي أولاً ثم عدنان الزرفي رئيساً للوزراء، عقب استقالة عادل عبدالمهدي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بسبب مقتل المتظاهرين على أيدي قوات الأمن العراقية.

اما في شهر مارس/آذار، فقد قال مصدر كبير في طهران لموقع Middle East Eye إنَّ الولايات المتحدة وافقت على تقديم استثناءات تسمح لبعض الدول بالإفراج عن الأصول الإيرانية من دون مواجهة إجراءات عقابية لمساعدة إيران على شراء الإمدادات الطبية لمكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد.

حيث أوضح: “أدت جهود بعض الدول إلى الإفراج عن بعض أموال المصرف المركزي الإيراني”.

أضاف: “وستتلقى هذه الدول استثناءً من العقوبات (التي ستُفرَض عليها بسبب وقف تجميد الأصول الأمريكية)، وهو ما حدث ونحن نتابع المسألة”.

كذلك تابع: “سيُخفض وقف تجميد أموال المصرف المركزي الإيراني من الضغط المتعلق بنقص العملة الأجنبية الضرورية لاستيراد الأدوية والاحتياجات الأساسية”.

صفقة رسمية: لكن المصدر الإيراني نفى وقتها توصل طهران وواشنطن إلى صفقة رسمية. بدورها، نفت وزارة الخارجية الأمريكية الأنباء عن وجود مثل هذه الصفقة.

من جانبها، قالت المصادر العراقية إنَّ هناك سابقة لمثل هذه الاتفاقية الحالية أُرسِيَت عندما دعمت واشنطن وطهران نوري المالكي لولاية ثانية في رئاسة الوزراء، بعد تسعة أشهر من الصراع السياسي الذي أعقب فوز كتلة العراقية في انتخابات عام 2010.

حيث أشارت المصادر إلى أنَّ سحب أنظمة صواريخ “باتريوت” الأمريكية من السعودية في الأيام الماضية، وخفض التوترات العسكرية في الخليج يمثلان جزءاً من الصفقة مع طهران.

كما أوضح المصدر الإيراني: “نتيجة لذلك، وللحد من التوترات في الخليج، سُحِبَت بطاريات باتريوت. والأهم من ذلك، وافقت الولايات المتحدة على إعطاء الضوء الأخضر لأوروبا حتى تُفرِج عن بعض الأصول الإيرانية المُجمَّدة. ولن تعترض الولايات المتحدة على وقف تجميد بعض الأصول وستغض الطرف”.

سجل حافل: ويمتلك الكاظمي سجلاً حافلاً بالعمل مع أجهزة الاستخبارات الأمريكية، يعود إلى زمن ارتباطه البعيد بأحمد الجلبي، السياسي العراقي الراحل الذي زود الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بالتقارير الكاذبة عن أسلحة دمار شاملة لدى صدام حسين قبيل اجتياح العراق في عام 2003.

الكاظمي الذي عمل لسنوات صحفياً ومحرراً في موقع Al Monitor الإخباري الأمريكي، واسمه الحقيقي مصطفى عبداللطيف، أصبح بعد ذلك رئيساً لجهاز الاستخبارات الوطني العراقي في ظل رئاسة حيدر العبادي لمجلس الوزراء.

أما في عام 2018، حضر الكاظمي اجتماعاً في واشنطن مع مايك بومبيو، الذي كان آنذاك رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وخالد بن علي الحميدان، رئيس الاستخبارات العامة السعودية، لمناقشة تدابير دعم ترشح العبادي والتصدي للمرشحين المدعومين من إيران، لكن هذه الجهود انتهت إلى الفشل.

لا تعليق: فيما اتصل موقع MEE بمكتب الكاظمي أكثر من مرة، للتعليق على هذه القصة، لكن المكالمات لم يُرد عليها.

إلى ذلك فقد تداولت وسائل الإعلام العربية تعليقات حول إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الكاظمي.

حيث قالت صحيفة القدس العربي، التي يقع مقرها في لندن، في مقال افتتاحي لها، إن موافقة البرلمان العراقي على الحكومة الجديدة كانت أمراً مهماً، لكن الأمر يتعلق بالأساس بالتوافق بين إيران والولايات المتحدة، فقد كانت تلك “الإشارة الحاسمة التي فتحت الطريق أمام توافق أعضاء البرلمان، ثم الترحيب الإقليمي والعالمي”.

في حين كتب إبراهيم الزبيدي، في صحيفة “العرب”، التي تصدر أيضاً من لندن: “كما رأيتم وترون، اتفقت [التيارات السياسية] على تمريره في البرلمان، وكأن شيئاً لم يكن، فقط حين صدرت إليها الأوامر والتعليمات من سفارة الولي الفقيه [السفارة الإيرانية] في بغداد، أو من سفارة العم دونالد ترامب، أليس هذا نوعاً من أنواع مسرح اللامعقول”.

ترحيب واسع: كانت واشنطن وطهران قد رحبتا علناً بترشيح الكاظمي، وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني إن إيران “ستكون مع الحكومة العراقية بكل ما تملك من قوة لمساعدتها على المضي قدماً وتحقيق الاستقرار”، بحسب بيان على موقع وزارة الخارجية الإيرانية.

في غضون ذلك، كشف وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في أبريل/نيسان 2020 بعض التفاصيل عن حوار استراتيجي مقترح مع الحكومة العراقية من المقرر إجراؤه في شهر يونيو/حزيران 2020. وقال بومبيو إن “جميع القضايا الاستراتيجية” ستكون على جدول أعمال تلك المحادثات.

الموقف من الصفقة: على الجانب الآخر، قلل مسؤولون في واشنطن وطهران من شأن التقارير التي تتحدث عن صفقة بين إيران والولايات المتحدة فيما يخص العراق.

حيث وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية التقارير بأنها “سخيفة”.

وقال المتحدث لموقع MEE: “الولايات المتحدة تحترم سيادة العراق، وقد دعونا باستمرار إلى أن تفعل إيران ذلك أيضاً وأن تضع حداً لتدخلها في الشؤون الداخلية للعراق”.

من جانبها، لم ترد وزارة الخارجية الإيرانية على طلب للتعليق، لكن مسؤولاً إيرانياً تواصل مع موقع MEE قال إنه لم يسمع بأي اتفاق، ووصفه بأنه أمر “مستبعد”.

مكالمة سعودية: قالت المصادر إن أول مكالمة جاءت للكاظمي بعد توليه رئاسة الوزراء كانت من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي طلب من رئيس الوزراء العراقي استئناف دور الوساطة مع إيران.

وعلى الرغم من أن بن سلمان سيعتبر الكاظمي أقرب إليه من أي مرشح آخر، فإن استئناف الحوار بين واشنطن وطهران ليس خبراً جيداً من وجهة النظر الاستراتيجية للسعودية. فهي لا تنسى أن مفاوضات سرية توسطت فيها سلطنة عمان لإطلاق سراح سجين أمريكي من إيران أفضت إلى الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة في عهد باراك أوباما.

قرار أمريكي: وإلى جانب هذا، ثمة قرار الولايات المتحدة أحادي الجانب بسحب بطاريات باتريوت الأمريكية من السعودية، بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية الجديدة التي يتعرض لها ولي العهد لإنهاء الحصار المفروض منذ ثلاث سنوات على قطر. ولهذه الغاية، أرسل أمير الكويت وزيراً إلى قطر لإعادة فتح الطريق أمام جهود الوساطة.

حيث يقول مسؤول عراقي: “في حين أن ترامب سيُرجع الفضل في ذلك إلى سياسة (أقصى ضغط) التي يفرضها على إيران، فإن الحقيقة هي أن اضطراب سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالخليج، وحرب السعودية على اليمن التي باتت لا يمكن تحملها، والضغوط الاقتصادية التي ترزح تحتها إيران، تجعل القوى الثلاث في وضع متأزم. وهذا أمر يجب على السعودية التفكير فيه: انهيار استراتيجية الاعتماد على الولايات المتحدة فيما بتعلق بردع إيران. كما أن ترامب لن يمانع في التفاوض على صفقة نووية جديدة مع إيران، ما دامت ستحمل توقيعه هو”.

كذلك أضاف المسؤول العراقي أن ذلك قد يفضي إلى مفاوضات ينتج عنها مزيد من الاتفاقيات بين واشنطن وطهران.