//Put this in the section

«حزب الله»: لم نسمع شيئاً

جوني منير – الجمهورية

بخلاف الاعتقاد الذي ساد عقب انتهاء الوزير السابق سليمان فرنجية من مؤتمره الصحافي غير المسبوق، فإنّ اي ردّ فعل لم يظهر من الحليف الكبير لفرنجية وللنائب جبران باسيل، وآثرت مصادره إطباق الصمت، وكأنّ شيئاً لم يكن.




بالتأكيد لم تكن قيادة «حزب الله» مسرورة للنزاع العنيف الذي انفجر اعلامياً بين فرنجية وباسيل. هي كانت تستمع الى الشكاوى المتبادلة وتعمل على رأب الصدع من دون جدوى.

باسيل كان يشتكي من فقدان دعم فرنجية لرئيس الجمهورية، وفي المقابل كان فرنجية يحمل لائحة من الاستهدافات التي تطاوله.

كان «حزب الله» يدرك جيداً انّ خلفية النزاع الحاصل لها علاقة بالاستحقاق الرئاسي المقبل، لكنه كان مهتماً بالتفرّغ لطريقة التعاطي مع الانهيار الاقتصادي والمالي، والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي والخلفيات السياسية للبرنامج المطروح. وهذا يتطلّب حشد حلفائه خلفه، خصوصاً وانّ اصواتاً داخلية سترتفع. لكن استدعاء سركيس حليس الى القضاء، رأى فيه فرنجية ملفاً فارغاً من مضمون فعلي، وانّ الهدف الفعلي هو إصابة ترشيح فرنجية بمقتل، فكان ردّه عنيفاً في السياسة ومرفقاً بجملة «إخبارات» تستوجب تحرّك القضاء. ولا شك في انّ نقطة ضعف فرنجية كانت في موضوع عدم ذهاب حليس الى القضاء. ولا بدّ ان تكون قيادة «الحزب» قد درست كافة الاحتمالات، ووجدت انّ ايّ تدخّل لإيجاد تسوية ما، سيفسّرها احد الفريقين لمصلحته، والفريق الآخر انحيازاً لخصمه، وسيؤدي الى نتائج اسوأ.

لذلك، من الافضل إطباق الصمت والوقوف جانباً والتصرّف «وكأننا لم نسمع شيئاً». ذلك انّ لا امكانية لتنظيم هذا الخلاف، الذي له اسبابه الرئاسية ماضياً ومستقبلاً. صحيح انّ هذا الصدام بدأ عملياً مع تعذّر انتخاب فرنجية للرئاسة، رغم تسميته من عدد كافٍ من الكتل النيابية، بسبب رفض عون المدعوم من «حزب الله»، لكن المرحلة التي تلت دخول عون الى قصر بعبدا لم تشهد «تصفية للقلوب»، لا بل حروب الغاء بين باسيل، مرشح عون لخلافته، وبين فرنجية، ولأنّ «حزب الله» يهتم بالدرجة الاولى بنزاعه الاقليمي الكبير الى جانب ايران في مواجهة الولايات المتحدة الاميركية، وهو لذلك يحرص على حماية التوازنات الداخلية، التي تلعب لمصلحته منذ فترة ليست بقصيرة. ولأنّه يدرك حساسية النزاع العنيف الحاصل حول ملف هو بمثابة برميل بارود، فإنّه يكتفي بالنصح ولا يذهب ابعد من ذلك، كي لا يهدّد المعادلة الداخلية، طالما انّ الزمن ليس زمن حسم خيار التأييد، وطالما انّ الامور لا تزال تحت مستوى الخط الاحمر.

بما معناه، إنّ الحكومة هي الآن الخط الاحمر، والشجار الحاصل لم يهدّد وجودها، وهذا مبعث اطمئنان. بدورها السفارات الغربية تابعت النزاع الحاصل، وهي تدرك انّ الاستحقاق الرئاسي المقبل له ظروفه المختلفة عن حسابات الاطراف اللبنانية. فلطالما كان وصول رئيس للجمهورية يُحاكي التوازنات الاقليمية، وانّ مهماته لها علاقة بالوظيفة التي سيتولاها لبنان في محيطه الخارجي. لكنها في الوقت نفسه لا تنكر اهمية المعطيات الداخلية لهذا الملف.

لذلك، هي تابعت وستتابع بكثير من التركيز ملف الفيول المطروح امام القضاء، وهو ما فاجأ الجميع. والأهم، انّها ترى أنّ الملف مفتوح جزئياً حتى الآن، وهو لا يشمل كل وجوه الفساد وزواياه الكثيرة. وما من شك انّ العواصم الكبرى المهتمة بلبنان، وفي طليعتها واشنطن وباريس، تستعد لليوم الذي سيجري فيه فتح ابواب التفاوض بين الاميركيين والايرانيين. ولا حاجة للإشارة، الى انّ لبنان معني في العمق بهذا التفاوض.

لكن في انتظار ذلك لا بدّ من ترتيبات اساسية تطاول الساحة اللبنانية، على نار الانهيار المالي والاقتصادي والمعيشي الذي يكوي المجتمع اللبناني. فصندوق النقد الدولي، والذي سيتولّى حمل رغيف الخبز بيد والشروط المطلوبة بيد اخرى، يعطي اولوية مطلقة لمحاربة الفساد كمدخل للإصلاح السياسي وإعادة «هندسة» مفهوم جديد، لا بدّ من ان يؤدي لاحقاً الى زوال الذهنية السائدة الآن ومعها رحيل معظم الطبقة السياسية الحالية.

وبداية الغيث تتمثل بطرح موضوع التهريب، بدءاً من الحدود البرية ووصولاً في ما بعد الى الحدود البحرية والجوية.

فعند الحدود اللبنانية ـ السورية، حيث كانت ساهمت بريطانيا في بناء عدد من ابراج المراقبة المتطورة، هنالك 161 ممراً يجري استخدامها للتهريب. الجيش اللبناني يسيطر بنحو كامل على نحو 80 % من هذه الحدود، لكن مهماته الكثيرة والمرهقة في الداخل اللبناني وعند الحدود الجنوبية، اضافة الى وقف التطويع بقرار اتخذته الحكومة السابقة وإلغاء التحفيزات، كل ذلك حدّ من قدرته على تنفيذ انتشار على كامل الحدود.

فعلى سبيل المثال، هنالك ما معدّله 11 جندياً لكل كلم حدودي واحد، مع الاشارة الى انّ الخدمة تستهلك وجود ثلث العدد، فيما يرتاح الثلثان الآخران.

وهو ما يعني، اما تحرير الجيش من مهماته الداخلية، وهذا شديد الخطورة بسبب الاوضاع السائدة وعدم قدرة المؤسسات الأمنية الاخرى على سد الفراغ بالفعالية نفسها، وإما تطويع عناصر اضافية لتشكيل فوج اضافي. فمثلاً ما بين المشرفة والسماقة هنالك 32 كلم، وارض وعرة ومتداخلة، لا يمكن السيطرة عليها بطريقة عادية.

وعلى سبيل المثال ايضاً، فإنّ ممرات التهريب التي تنتشر ما بين راشيا ومجدل عنجر والنبي شيت والهرمل ووادي خالد وما بينها، لا تلحظ ممرات ثابتة في كثير من الاحيان، بل هي متحركة ومتنقلة. هذا اضافة الى الاعيب اخرى تستوجب الملاحقة والمتابعة الداخلية كما يحصل مع تهريب المازوت. فالصهاريج تصل طبيعياً الى البقاع، وهي مزودة بالاوراق الجمركية والرسمية، وتتجّه بنحو طبيعي وقانوني الى الهرمل، قبل ان تتسلل من هناك تحت جنح الظلام الى سوريا. مع الاشارة الى التداخل الجغرافي الحاصل، والذي يؤمّن تغطية ممتازة لعمليات التهريب.

لكن ثمة مشروعاً آخر سيترافق مع السعي لإعادة ترتيب الفساد على الساحة اللبنانية. وتروي مصادر ديبلوماسية مطلعة، عن وجود توجّه داخل الادارة الاميركية، يقضي بتلزيم روسيا الساحة السورية بكاملها، مع الحلول المطروحة لها، في مقابل تفاهمات اميركية ـ روسية حول الخطوط العريضة المطلوبة. وهذا سيؤدي الى «تحرّر» واشنطن من الملف السوري عند بدء المفاوضات مع طهران، وهو سيؤمّن التزاماً روسياً بحماية الساحة اللبنانية من اي تأثيرات خارجية خلال فترة مخاض ولادة لبنان الجديد، والذي تتولاه واشنطن، من خلال صندوق النقد الدولي. هذا التوجّه لم يرتق بعد الى مستوى القرار لدى الادارة الاميركية، لكنه يجري البحث فيه بجدّية مطلقة. وهو ما يعني انّ صورة الرئيس المقبل ستكون منسجمة مع هذه التغييرات المرتقبة، أضف اليها المزاج الشعبي اللبناني، الذي سجّل انقلاباً واسعاً في خياراته، والتي تجّلت بدءاً من 17 تشرين الاول الماضي. هذا مع عدم استبعاد ان تتولى واشنطن هذه المرة طرح الاسماء، في مقابل احتفاظ «حزب الله» بحق «الفيتو»، بعكس ما حصل عام 2016 حين تولّى «حزب الله» التسمية واكتفت واشنطن بالرفض او القبول.