//Put this in the section

لهذه المعطيات آثرت الرئاسة الثانية الكف عن مصادمة حكومة دياب

ابراهيم بيرم – النهار

أمر لا يخلو من أبعاد، هذا الاصرار من جانب مصادر عين التينة على التأكيد مرارا، بأن الرئاسة الثانية لا تكن أي عداء أو سلبية حيال الرئاسة الثالثة، وهو تأكيد متكرر أتى في أعقاب زيارة خاطفة قام بها رئيس الحكومة حسان دياب للرئيس نبيه بري قبل أيام.




فهذا الإصرار، يعني لدى العالمين ببواطن الأمور لدى رئيس السلطة التشريعية، أنه طي لصفحة مرحلة وإيذان لفتح صفحة أخرى مختلفة المواصفات.

وفي العمق من ذلك الاستنتاج يكمن أيضا إعلان مضمر من جانب الرئاسة الثانية بطي صفحة رهانات لم تكتم مقاصدها هذه الرئاسة، اندرجت تحت عناوين شتى يأتي في طليعتها:

– الرغبة بـ”تطويع” الرئاسة الثالثة وهي في مستهل خطوتها الأولى في رحلة الألف ميل الشاقة أمامها، وعلى الأقل إفهامها أن لحركتها حدودا، ولحراكها خطوطا حمر، علما أن كواليس السياسة لم تخل تماما من قائلين بأن الهدف الاقصى يتبدى بـ”تكبيل اليد” إلى العرقلة تمهيدا للإحراج فالإخراج في سعي جلي لإعادة الأمور إلى شهور خلت.

– ثمة أيضا من يزعم بأن الرئاسة الثانية لم تكن تنسج وحدها، ففي تلك الأيام غير البعيدة عندما كانت الحكومة طرية العود والأمور مبهمة والأحداث ملتبسة، كانت الرئاسة اياها تنطق ضمنا بلسان “جمعة” سياسية فيها المعارضة الثلاثية الحادة اياها (التقدمي، المستقبل والقوات اللبنانية) وفيها ايضا من مشاركين بالحكومة وفق ما تكشف لاحقا.

ولم يعد مفاجئا القول بعد مضي أشهر ثلاثة على انطلاق الحكومة، بأن ثمة رهانات واعتقادات رست في حينه عند فريق سياسي عريض فيه من كل ألوان الطيف السياسي، تنبئ بأن هذه الحكومة الهجينة الآتية من خارج كل الحسابات، لن تستطيع السير، وان سارت فلن تعمر طويلا، وإن شاءت الأقدار ان يتجاوز عمرها الافتراضي المئة يوم، لن تنال شرعية الاعتراف الداخلي والخارجي وسيكون مآلها التعثر ومصيرها الاخفاق.

لكن رياح الأمور سارت خلاف التمنيات الضمنية لتلك الجهات، إذ بعد “منازلة” قصر الأونيسكو المشهودة والتي بدا فيها الرئيس بري بمواجهة دياب، لم يكن في يوم من الايام مع كل ما سلف من حكومات نهضت ردات فعل بالغة السلبية تصب كلها في خانة التعاطف الواسع مع الرئيس دياب “المظلوم”، وتعلي الصوت اعتراضا على كل الطبقة السياسية التي قبضت على ناصية الحكم سعيدة منذ عام 1992، وأفضى سلوكها وأداؤها إلى قعر الكارثة الحالية.

واللافت في ذلك، أن سوادا أعظم من المتعاطفين مع دياب، كانوا من تيار الطائفة الشيعية.

وأعقب ذلك، تبدٍ لشقاق سياسي بين جمهور ثنائي الطائفة حمله بعضهم على محمل بروز خلاف جهد طرفا الثنائي طويلا لإثبات أنه آل إلى إنهاء الصراع.

وعليه اضطرت حركة “أمل” لبذل جهود استثنائية لكي تدحض أمر الرغبة بإسقاط دياب تحت جنح أن ثمة من لم يبرأ بعد من “عشق دفين” للرئيس سعد الحريري واستطرادا لكي تنفي شبهة وقوع الانشقاق في صلب الطائفة، إدراكا منها لتبعات ذلك وتداعياته السلبية.

واللافت أن “حزب الله” وقف صامتا إلى أقصى الحدود وقد فسر العالمون ببواطن الأمور هذا الصمت بأنه موقف واضح وكلام مباح يعرف تأويله الراسخون بعلم واقع الحال.

وقد وجد هذا التأويل أصولا و”مشروعية” له، عندما تظلل غلاة المعارضة عباءة كلام بري ليشرعوا في هجوم ضار على الحكومة امتدادا إلى العهد، ويدعون صراحة إلى العمل لإسقاط الطرفين معا، وهو واقع لا يرضي الحزب ولا يتماهى إطلاقا مع توجهاته.

ومما زاد في “حراجة” وضع مناهضي الحكومة والتائقين إلى عرقلتها، وإبقائها في موقع “مدير الأزمة” و”البدل من ضائع” في وقت مستقطع، هو “انفراط” عقد الذين ينظر إليهم على أنهم سيكونون أركان الاعتراض القوى لاحقا، اذ فجأة زار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قصر بعبدا، وطلع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع إلى بعبدا ليشارك في اللقاء الذي دعا إليه سيد القصر لمناقشة الخطة الاقتصادية، وبقي الرئيس سعد الحريري يغرد وحيدا خارج السرب.

وفي لحظة معينة بدا الاعتراض في حالة عجز عن تقديم بدائل فضلى، تضع حدا للتداعي المالي والانهيار الاقتصادي الحاصل، لا سيما بعد بروز المعطيات الآتية:

– ان “حزب الله” لن يفكر للحظة واحدة في التخلي عن دعم الحكومة وتلبية دعوة أتته عبر قنوات خلفية عنوانها تعال معنا إلى تجربة حكم جديدة.

– ان “التيار الوطني الحر” والعهد مع هذه الحكومة حتى النهاية.

– ان الخارج بعث بأكثر من رسالة تنطوي على أنه مع هذه الحكومة وأنه بصدد التفكير في إسنادها ورفدها لألف حساب وحساب، وان كان الأمر يحتاج لبعض الوقت.

– فضلا عن ذلك كله، أثبت دياب انه ليس من النوع الذي “يؤكل” أن يذعن للضغوط، بل ويعي تماما نقاط القوة لديه خصوصا وأن حكومته تجرأت على فتح ملفات فساد كانت إلى الأمس القريب بمثابة “تابوهات” يحرم المساس بها أو الاقتراب منها، أي انها تجرأت حيث عجز آخرون وخافوا وآثروا سلامة رؤوسهم.

وبناء عليه يبدو جليا أن الرئاسة الثانية قد قررت وبشكل نهائي المبادرة إلى تقديم الدعم للحكومة أو على الأقل الكف عن اعتراضها ومعارضتها الجلية.