//Put this in the section
سركيس نعوم - النهار

”قانون إثراء غير مشروع” صدر عام 1953… طبّقوه – سركيس نعوم – النهار

الثورة البيضاء التي قام بها الشعب اللبناني عام 1952 بقيادة زعامات أساسية له متنوعة الانتماء الطائفي والمذهبي لإسقاط رئيس الجمهورية وبطل الاستقلال الشيخ بشاره الخوري كان لها ثلاثة أسباب. الأول إقدامه على تجديد ولايته بعد انتهائها عام 1949 خلافاً لما ينص عليه الدستور. والثاني التغاضي عن تزوير الانتخابات النيابية التي أُجريت عام 1947 الذي أشرف عليه شقيقه الشيخ خليل. وكان هدفه تأمين أكثرية نيابية للتجديد المشار اليه. أما الثالثة فكان الفساد الكبير الذي مارسه “الشيخ الشقيق” من خلال استغلاله ضعف الرئيس تجاهه والذي أزكمت روائحه الأنوف في لبنان كله. نصّبت الثورة النائب في حينه كميل شمعون رئيساً للجمهورية. وكان همه كما همّ حلفائه في “الجبهة الاشتراكية الوطنية” التي قادت الثورة قطع دابر الفساد ومنع استفحاله، تلافياً لأن يكون نهجاً أساسياً لدولة مستقلة حديثاً يمارسه سياسيوها والعاملون في الحقل العام كما في مؤسسات الدولة الأمر الذي يجعل مستقبلها محفوفاً بأخطار كثيرة. وقد ترجموه نصاً قانونياً أصدرته بمرسوم اشتراعي الحكومة الأولى للعهد الجديد (على الأرجح) وكانت برئاسة الأمير خالد شهاب. وضع النص الوزير سليم حيدر بطلب من شمعون وشهاب رغم أنه كان يتولى وزارات التربية الوطنية والصحة والاسعاف العام والبرق والبريد والشؤون الاجتماعية، والسبب تخصصه القانوني وغزارة علمه ومعرفته. أما موعد صدوره بمرسوم اشتراعي حمل الرقم 38 فكان 18 شباط 1953 وكان اسمه “قانون الاثراء غير المشروع”. وقد نص على الآتي:

المادة الأولى – يعتبر اثراء غير مشروع:




1 – الاثراء الذي يحصل عليه الموظف والقائم بخدمة عامة، أو من ينتسب اليهما برابطة القرابة أو المصاهرة أو الشراكة أو الخدمة الحالية أو السابقة، بالرشوة أو صرف النفوذ أو استثمار الوظيفة أو العمل الموكول اليهما، أو بأية وسيلة من الوسائل غير المشروعة وان لم تشكل جرماً.

2 – الاثراء الذي يحصل عليه الموظفون والأفراد عن طريق الاستملاك أو نيل المقاولات أو الامتيازات أو رخص التصدير والاستيراد أو المنافع الأخرى على اختلاف أنواعها اذا حصلت خلافاً للقانون أو بوسائل مريبة.

3 – الاثراء الذي يحصل عن سوء تنفيذ المقاولات والامتيازات والرخص الممنوحة من الدولة جلباً للمنفعة.

4 – الاثراء الذي يحصل عن احتكار المواد المسعرة أو الخاضعة لنظام التموين أو عن بيعها بأسعار تخالف التعرفات الرسمية.

المادة 2 – لا يشترط في الاثراء غير المشروع أن يحصل مباشرة بل يمكن أن ينشأ عن الاستفادة من مشاريع لم يُبدأ بتنفيذها.

يدخل تحت حكم هذه المادة بنوع خاص:

1 – استخدام أموال الخزينة ووسائل الدولة من أجل تحسين قيمة عقارات يملكها الأشخاص الرسميون أو من ينتسب اليهم وفقاً لأحكام المادة السابقة من هذا المرسوم.

2 – شراء أموال من قبل الاشخاص الرسميين أو من ينتسب اليهم مع العلم بأن قيمتها سترتفع بسبب أنظمة أو قوانين منوي اصدارها أو مشاريع منوي القيام بها، اذا حصل الشراء بناء على معلومات اتصلت بالأشخاص الرسميين بحكم وظيفتهم.

المادة 3 – كل شخص أثرى اثراء غير مشروع اعتباراً من أول كانون الثاني 1945 تطبق عليه أحكام هذا المرسوم الاشتراعي.

المادة 4 – تعين بمرسوم لجنة من ثلاثة قضاة تقوم بالتحقيق في الاثراء غير المشروع.

– للنيابة العامة ولكل شخص متضرّر أن يقدم للجنة شكوى عن الإثراء غير المشروع.

– اذا تبين للجنة أن الشكوى تبدو جدية كلفت الشخص المطعون في اثرائه بيان مشروعية هذا الاثراء.

وللجنة أن تصدر مذكرات التوقيف التي تستوجبها الحالة وأن تأمر عفواً بحجز أموال المدعى عليه حجزاً احتياطياً أو عقارياً أو لدى شخص ثالث. ولها أن تطلع على دفاتر المدعى عليه ومستنداته وان تستقي ما يلزمها من المعلومات من الدوائر الرسمية وغير الرسمية، وأن تنتدب لهذه المهمة من تعيّنه من الخبراء.

للجنة صلاحية قاضي التحقيق وتتبع الأصول المتبعة لديه. الا أن قراراتها لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة.

المادة 5 – اذا كان الاثراء غير المشروع قد حصل بنتيجة جرم من الجرائم المعاقب عليها قانوناً فإن اللجنة تحيل الدعوى الى المحكمة الجزائية ذات الاختصاص بالنسبة لنوع الجرم.

المادة 6 – اذا كان الاثراء غير المشروع لا يشكل جرماً معاقباً عليه بنص جزائي أو كان هذا الجرم قد مرّ عليه الزمن، فإن اللجنة تحيل الدعوى أمام مجلس الشورى الذي ينظر بها بصفته محكمة استثنائية ويحكم بها حكماً مبرماً.

المادة 7 – ينظر مجلس الشورى في القضية المعروضة عليه وفقاً للأصول العادية. فإذا اعتبر الاثراء غير المشروع ثابتاً يحكم للدولة أو للأفراد المتضررين بتعويض يعادل الضرر الحاصل.

ويمكن الحكم بالتعويض عيناً بطريقة مصادرة أموال المحكوم عليهم أو قسم منها.

المادة 8 – يمكن اللجوء الى جميع طرق الاثبات ومنها القرائن.

يعتبر من القرائن القانونية على الاثراء غير المشروع:

1 – تملك المدعى عليه، بنفسه أو بواسطة أقاربه أو شركائه أو مستخدميه، أموالاً لا تمكنه موارده العادية من إحرازها.

2 – التبذير الذي لا يتفق مع تلك الموارد، والانتقال فجأة من حالة العسر الى حالة الاثراء.

المادة 9 – لا يعاقب غير الموظف أو المكلف بخدمة عامة اذا أعلن في بدء استجوابه اشتراكه أو تدخله في احدى الجرائم التي أدت للاثراء غير المشروع على أن الاعفاء من العقوبة الجزائية لا يعفي من المسؤولية المدنية.

المادة 10 – تطبق بحق الشاكين المواد 402 و403 و404 من قانون العقوبات المتعلقة بالافتراء.

المادة 11 – يعمل بهذا المرسوم الاشتراعي فور نشره في الجريدة الرسمية.

لماذا تذكير اللبنانيين اليوم بقانون صدر قبل 67 سنة وبضعة أشهر؟ لأن الاثراء غير المشروع الذي حاولت حكومة خالد شهاب وقفه بل منعه تحت طائلة العقوبات لم يطبق في حينه، ربما بسبب الخلافات السياسية التي نشبت بين الحلفاء الذين أسقطوا الخوري ورأّسوا شمعون. لكن رغم ذلك فإن المرحلة الممتدة من تاريخ إصداره حتى السنوات القليلة التي سبقت الحروب الأهلية وغير الأهلية في لبنان لم يكن الاثراء غير المشروع الذي تختصره اليوم كلمة واحدة هي “الفساد” مستشرياً على النحو الذي عاشه الشعب اللبناني ولا يزال يعيشه منذ انتهاء الحروب المذكورة عام 1990 وبناء الدولة الجديدة التي حملت اسم دولة الطائف. اذ كان قبلها استثناء يثبت القاعدة، وكانت نسبته مقبولة الى حد ما وربما قابلة للمحاسبة، فضلاً عن أنه موجود وبالنسبة نفسها في دول العالم ولا سيما المتقدمة منها حيث الحساب يتأخر أحياناً لكنه لا يموت. أما الحديث عن الفساد خلال تلك الحروب فقد يكون في غير محله، ولا يعني ذلك تبريراً له، لأنها دمرت الدولة وغيّبتها وحكّمت بالبلاد أعراب وأغراب وأبناء البلد المنقسمين طائفياً وفكّكت مؤسساتها. وثانياً لأن اللبنانيين بكل فئاتهم وبدولتهم الجديدة أثاروا أكثر من مرة موضوع الفساد وناقشوا هذا الأمر في إعلامهم ومحافلهم السياسية ومجالس نوابهم وحكوماتهم وفي مقرات رئاسة جمهوريتهم، ووضعوا أكثر من مرة مشروعات قوانين لمكافحة الاثراء غير المشروع بعضها مرّ ولم يطبّق. وهم لا يزالون الى اليوم يتنافسون على مكافحة الفساد الذي أكل الدولة الجديدة وأوصل شعبها الذي صار شعوباً الى الفقر والتعتير وضرب عملته الوطنية واقتصاده ومصارفه. وعندما يرى الذين يعرفون تاريخ لبنان يتذكرون نظافة الرئيس الراحل فؤاد شهاب ونظافة “الرئيس” الذي لم يحظ به لبنان لعفته ونظافته ووطنيته وتمسكه بلبنان الديموقراطي الحر المستقل ريمون اده. كما يتذكرون أبوته لقانون السرية المصرفية ومحاربته للاثراء غير المشروع. وثالثاً لأن ما يحتاج إليه اللبنانيون اليوم ليس قانوناً جديداً لمكافحة الاثراء غير المشروع يتنافس عليه كل الذين يريدون بواسطته تشريع الأموال المنهوبة وإبعاد المحاسبة عن الفساد الضخم كباراً في المواقع كانوا أم صغاراً.

في النهاية لا بد من التساؤل: هل الفساد “جينة” متأصلة في تكوين شعب لبنان الذي صار شعوباً؟ الجواب هو كلا. فالانسان لا يولد شريراً أو فاسداً أو جاهلاً أو مجرماً أو خائناً… أو صالحاً ومتعلماً وذا عقل راجح ونظيف الكف ووطنياً… أي أن الله عزّ وجلّ لا “يخلق” عاطلين أو سيّئين. التربية في البيت وفي المدرسة والدولة والواجبات والحقوق هي التي تجعل المواطنين صالحين أو سيئين. علماً أن المال السائب يعلّم الناس الحرام، وأن النفس أمّارة بالسوء إذا لم يكن هناك من رادع. فكيف إذا كان من يفترض فيهم نشر التربية الحسنة وردع السيئين يحتاجون الى ردع؟ لبنان اليوم في وضع كهذا.