//Put this in the section

في هذا الزمن الرديء – الياس الديري – النهار

لا، وألف لا، وألف وأحرّ قلباه، لا يستطيع جيلنا أن ينفض يديه مما جرى وحصل وأوصل لبنان إلى الوضع الإنتحاري الكامل، وهو جيل البنّائين الذي أنزل إلى السهول والجبال والشواطئ تلك الصيغة التآلفيّة المصنوعة بأيدي ثماني عشرة طائفة لبنان مرقد العنزة، ولبنان قطعة السما، ولبنان الرسالة، ولبنان النموذج الذي جلب كبار مسؤولي العرب والعالم إلى فيافيه، وتركيبته، ونظامه، وديموقراطيته، والحريّات التي انسكبت في النفوس قبل النصوص.

لقد جمع لبنان في بيته المفتوح نهاراً وليلاً أناساً من أقاصي الأرض إلى أرض الوطن الصغير الذي نُشرت رايته في كل دولة فوق اليابسة، وعلى امتداد دورة الأرض…




ولكن، فلنبقَ في خانة “النفي والتأكيد” بالنسبة إلى دور جيلنا الذي بذل كل ما عنده، وما يستطيع في سبيل بلورة الصيغة النادرة، وتغليفها من داخل ومن خارج وفق ميثاق بقي مجهول الإقامة، لكنه فعّال.

إنما كلّا، لا نستطيع أن ننفض عن أيادينا، وقلوبنا، وضمائرنا، وعقولنا، كجيل حمل الرسالة في مخزون صدره، وراح يعمّر لبنان بالكلمة ورفقة الحجر والقلم الملون حيث أعطيت الصورة المليئة بمفاجآت كان زائرو لبنان يغمرونها بإعجابهم، ومن فقش الموج لمرمى الثلج، لمرمى المناخ، لمرمى النظافة، لمرمى الينابيع والأنهر، لمرمى الجامعات والغاليريهات، إلى أعراس الصحافة التي حملت دورها البنّاء بكل ترهّب وتأهب.

ولكن هذا لا يجعلنا ننفض غبار بعض الأذى الذي لحق بلبنان، وحيث اوصلته دروب معتمة إلى أبواب انفتحت لظلمات وظلم لم يكونا واردَين في برنامج البناء على كل المستويات، وفي كل الحقول.

هكذا فعل جيلنا، ويظل حاملاً الإزدهار والمزيد منه على ظهور أقلام وأوراق وعقول ورغبات وطموحات، لبّت جميعها نداء لا صوت له ولا حضور. كأن ورشة شاملة تصرفت من تلقائها بكل حماسة، ورغبة، وصدق، ومحبة، وإتقان.

ولا يكفي أن نعدّد بعضاً مما حقّقه جيلنا في سبيل ذلك اللبنان الذي قُضي أمره في هذا الزمن الرديء، وإلى حيث لا يستطيع من بقي من جيلنا إلا أن يطلقوا صرخة الإنقاذ: لقد أطلقوا الحرية لكل أنواع التخريب، والتهديم، والفساد والتسيّب…

وإذا بنا نتلقى هذه الضربات التي خُصصت وصُنعت للبناننا الذي كان هديّة الحياة الحلوة لجميع أصناف وانواع وأبعاد الناس. ذلك الجيل، جيلنا، المتناغم كلياً مع مكانة وطن النجوم، سياسةً، وصحافةً، وسياحةً، وإبداعاً في حقول الأدب المفتوحة على الرواية، والشعر، والرسم، والمسارح وجميع الفنون.

هذا كله في سبيل وطن صغير يحمل رتبة المعشوق، سواء من الأشقاء العرب ومن الأصدقاء في أوروبا والأميركيّين. وطن صغير وثماني عشرة طائفة. ومجلس نواب، إلى مجلس وزراء، إلى مجالس للقضاء وخارجه، إلى الذين كانوا قد هاجروا من قديم الزمان فعزّ عليهم أن يبقوا بعيدين عن لبنانهم. وكانت اللعبة البرلمانية ولعبة الحريّات، ولعبة الإنتخابات، كلها مع سواها ولدت في الزمن الجميل الذي صاغه جيلنا.

ولكن، ماذا نستطيع أن نفعل فيما عوامل الهجرة تتضافر وتتضاعف؟ لقد غدرونا. فوجئنا بـ”هديّة” بوسطة عين الرمانة حيث كتبت ذلك المقال الذي كلّفني غالياً في ما بعد، وحيث كنت لا أزال منكبّاً على مقالي اليومي في زاوية “الموقف هذا النهار”.