//Put this in the section

دروس الجائحة – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

يبدو أن العالم سيواجه الحقيقة الصعبة، وهي أن عليه أن يفتح الاقتصاد وأن يعيد الحياة إلى طبيعتها من دون علاج ولا لقاح يواجه بها جائحة (كوفيد – 19). وهذا بمعناه وبشكل عملي تحويل المسؤولية الصحية من الحكومات إلى الأفراد، والرهان على الوعي الجمعي للناس. وهذه مغامرة ومخاطرة غير واضحة الملامح، ولكن في ظل انعدام الاختيارات والضغط الاقتصادي الهائل يبدو أن ما باليد حيلة. وبالتالي هناك استعداد ذهني ونفسي لقبول فكرة العودة الاقتصادية. ولكن من البديهي أن نقول إن حادثة كجائحة (كوفيد – 19) سيبقى أثرها معنا، وستغير في طريقة تعاطينا في التفكير والحديث بالشأن الاقتصادي العام، وكذلك في شأن السياسة العامة. ستكون هناك حالة من المراجعات لأسلوب صناعة القرار والسياسات الاقتصادية بدلاً من أن تكون أحادية الجانب كما هي الآن (قرار يصدر وأثره على الأسواق بعد ذلك…) سيكون المطلوب البحث عن أسلوب عن «قيم جديدة» أعمق من الحوكمة والنفع الفردي. ورأينا منذ زمن قديم حالات شبيهة تشكل سابقة لافتة ومهمة للمقصود هنا، وتحديداً في فترة الكساد العظيم التي كان لقيادة الرئيس الأميركي وقتها فرنكلين روزفلت الدور المهم في استحداث سلسلة من السياسات الجريئة مبنية على تصريحات جريئة له مثل «المصلحة الشخصية الموتورة هي اقتصاد سيئ»، وأيضاً «الحرية من الاحتياج».

كانت هذه من القواعد المؤسسة للأركان الاقتصادية الجديدة، وهي أفكار استمرت لعقد من الزمان تثير الجدل بعد إطلاقها، وهي بنيت على فكرة بسيطة هي أن الاقتصاد إذا ما تُرك «منفلتاً» من الممكن أن يدمر حياة الناس، وبالتالي يجب على الحكومات العمل على صون المصلحة العامة، حتى يقبل الناس مع مرور الوقت هذه الفلسفة الجديدة. ولكن ذاكرة الإنسان محدودة بعامل الزمن وتغير الأحداث، وبالتالي أصبحت هذه الأقوال والسياسات حقبة من زمن بعيد وصولاً إلى حقبة رئيسة الوزراء البريطانية المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر التي جاءت بسلسلة «جديدة» من القيم التي ستبني عليها سياساتها وأطلقت تصريحات صادمة جداً عندما قالت: «لا يوجد شيء اسمه مجتمع»، «وأنت تحصل على ما تستحق مقابل ما تدفعه»، «والحكومة ما هي إلا مجموعة ضغط أخرى». لقد ساهمت هذه المبادئ في زلزلة الاقتصاد البريطاني المحافظ والتقليدي ولم تبقَ آثارها داخل حدود المملكة المتحدة فحسب، ولكنها عبرت المحيط الأطلسي لتلهم الرئيس الأميركي وقتها رونالد ريغان الذي قام بمراجعة ضريبية، وبإطلاق برامج خصخصة شبيهة بما فعلته ثاتشر في بلادها لتشهد بريطانيا وأميركا طفرة اقتصادية مهمة.




طرق التفكير التقليدية في الاقتصاد فيها الكثير من مراعاة المصلحة الذاتية على سبيل المصلحة العامة، وهذا سيتطلب أسلوباً جديداً في صناعة السياسات الاقتصادية نفسها، وذلك لأجل تحويل جذري في طريقة التفكير الاقتصادي وبالتالي الخيارات المتاحة للناس.

هناك حقائق جديدة ستخرج بها المجتمعات وهي تستعد لمواجهة العالم الاقتصادي والعيش مع «كورونا» كأمر واقع؛ الحقيقة الأولى هي أنه مهما كانت الحكومات منظمة ومهنية لن يكون بإمكانها من دون مجتمع مدني مسؤول يثق بنصائح وتوجيهات النظام الصحي، ويكون مطيعاً ويحترم دولة القانون. الحقيقة الثانية هي أن الناس بالعموم وهم يواجهون خطر المرض والموت وتكلفة مالية هائلة، ومع ذلك ضربوا أجمل الأمثال في العطاء والعون والكرم والثقة، وبالتالي يبقى ضرورة تحديث وتطوير بل تغيير فكرة أن النموذج الاقتصادي هو نموذج خال من الأخلاق وأناني. وهناك الحقيقة الثالثة والمؤلمة، وهي أن «اهتمام» الناس بالآخرين ممكن أن يكون أيضاً بشكل سلبي كما هو إيجابي؛ إذ لاحظ العالم الارتفاع الهائل في حوادث العنصرية المقيتة والوطنية الكاذبة، وهذا تحذير عظيم يهدد السلم الاجتماعي الخاص والعام للدول حول العالم.

عندما حصل الكساد العظيم في الثلاثينات الميلادية من القرن الماضي خففت من وطأته قرارات وسياسات جريئة شكلت قواعد جديدة قدمت من خلالها بدلات تعويضية عن البطالة، وإنفاق حكومي أعظم على مشاريع بنية تحتية. والآن هناك فرصة للعالم في التفكير الاقتصادي بشكل مختلف والسياسات الجديدة لمواجهة الجوائح القادمة، ويجب أن يكون ذلك مبنياً على قاعدة أخلاقية، وهي أن الاقتصاد لا يمكن أن يؤسس على المصلحة الفردية فقط.

العالم مطالب بإدخال معايير أخلاقية وقيمية في مفردات الاقتصاد لأن دروس (كوفيد – 19) لم تبدأ بعد.