//Put this in the section

طرابلس تعيش أسوأ أوضاعها الإجتماعية… التسوّل لتأمين “حق ربطة خبز”!

مايز عبيد – نداء الوطن

لم يَعُد التسوّل في عاصمة الشمال طرابلس مجرد ظاهرة، بل أصبح عملاً لكل من لا يجد عملاً. المُلفت في الأمر ازدياد أعداد الأطفال بأعمارٍ من العشر سنوات وأقلّ، مكانهم الشوارع والطرقات العامة، يسرحون فيها ويمرحون، بحثاً عن المال.




في السابق، كانت غالبية أعداد المتسولين من الجنسية السورية. اليوم، ومع تردّي الأوضاع المعيشية والإقتصادية في لبنان وبخاصة في مدينة طرابلس، ازدادت أعداد المتسولين من الجنسيتين.

أكثر مناطق الإزدحام في طرابلس هي من ساحة النور وحتى إشارة المئتين، مروراً بساحة النور، وعند دوار نهر أبو علي من الجهة المقابلة (المدخل الشمالي لمدينة طرابلس) حتى إشارة المئتين مروراً بالزاهرية. هناك لا بدّ للسيارات من أن تتوقف، فالزحمة يومية، يستغلّها الأطفال المتسولّون بشكل أساسي فيجولون بين السيارات، بعضهم يحمل العلكة وبعضهم علب المحارم أو غيرها يبيعونها، مع عبارة لا تتوقّف على ألسنتهم “الله يخليك اشتري مني”.

وعلى مدخل البداوي إمرأة سورية متأزرة بيدها طفل أو طفلة، وتحمل كرتونة تتنوع عليها العبارات المكتوبة، كأن تجدها مرة تحمل شعار: “بحاجة إلى إيجار منزل والله العظيم”، ومرة أخرى: “أقسم بالله أني بحاجة إلى المساعدة لدواء”. ولا ندري أكانت هي المرأة نفسها أم غيرها. أما إذا كان مشوارك باتجاه مصرف ما أو محطة وقود أو سوبرماركت وقررت النزول، فينهال عليك المتسوّلون من كل الفئات العمرية، حتى تكاد تهرب منهم إلى سيارتك، فتنسى الموضوع الذي كنت قد أوقفت السيارة لأجله.

وإذا كان هؤلاء الصبية أو تلك النسوة، أصبح التسول عملهم اليومي منذ زمن، وانتظموا في شبكات عمل يومية، لها مُشغّلوها ومن يديرها، فإنّ ما يفطر له القلب، هو مشهد أشخاص لبنانيين، طرابلسيين أو حتى من ضواحي المدينة، ومناطق جوارها، قست عليهم الأيام واشتدّ بهم الزمن. يقتربون منك وهم بكامل الخجل والحسرة. يبادرونك بالطلب بخوف ووجل من عواقب الجواب: “الله يخليك معك حق ربطة خبز”؟ أو”بتعطيني شي لطعمي في أولادي؟”.

في زمن الثورة استغلّ هؤلاء ساحة النور والتجمّعات التي كانت تحصل وحتى شاشات التلفزة، التي كانت تخيّم في الساحة لأجل البث المباشر، علّهم يجدون ضالتهم بين الناس هناك. ويُشار إلى أن منطقة الضمّ والفرز ومنطقة المعرض، مكان تواجد الأغنياء من أبناء المدينة، تتكرّر فيها يومياً مشاهد التسوّل والتشرّد، إضافة الى افتراش عائلات سورية مشرّدة الأرصفة العامة المقابلة لفندق “كواليتي – إن” بطوله وعرضه. وإذا ما جئنا على ذكر عائلات طرابلسية فهي أيضاً تشرّدت في الأشهر الأخيرة من أماكن سكنها بسبب عدم القدرة على تسديد الإيجارات مع ارتفاع سعر صرف الدولار، ويعلم الله الآن كيف تدبّر أمورها. ففي المحصلة، الفقر يؤدي إلى التسوّل والتشرّد والضياع، في بلدٍ ضاق بأهله فكيف سيتّسع للاجئين معهم أيضاً؟

وبالعودة إلى الأطفال وقضيتهم، وإذا كانت كل القوانين والشرائع تقول إن مكان هؤلاء المدارس، لا الشوارع، سواء كانوا لبنانيين أم غير لبنانيين، ولهم الحق بالتعلّم أياً كانت ظروفهم وظروف ذويهم، فإن السؤال الأهم لا تجد له جواباً في بلد ضاعت فيه المسؤوليات بتقاعس حامليها. فلا وزارة الشؤون ترعى الشؤون المنوطة بها، ولا وزارة التربية والتعليم ترعى شؤون التعليم، ولا حتى السلطات الأمنية والقضائية لديها حلّ في ما يتعلّق بقضية هؤلاء، اقلّه الأطفال منهم. على أن أكثر المشاهد إيلاماً في هذه القصة هو منظر عجوز من المدينة يمدّ يده إلى حاوية النفايات بحثاً فيها عن شيء من بقايا وفضلات الطعام كي يأكلها.

تقوم بلدية طرابلس عبر عناصر الشرطة ومن حينٍ إلى آخر بحملات توقيف لهؤلاء المتسولين، كلما ازداد ضغط الرأي العام في المدينة إزاء هذا الموضوع الذي يستفحل بشكل كبير. لكنّ البلدية لا تملك سجوناً ولا سلطة لديها فيه. حملات البلدية لا تعدو كونها ترهيبية ثم تعود وتُطلق سراحهم على ضمان ألا يعودوا إلى الشارع مجدداً. لكنهم يعودون اليه في اليوم التالي، لأن لا مكان لهم سواه. فلا منظمات أو جمعيات تأويهم، ولا وزارات تهتمّ بهم، وليس صحيحاً ما يُقال دائماً عن هؤلاء بأن جميعهم شبكات مهنة، فالحقيقة أن هناك عوائل لم يعد أمامها إلا الشارع والتسول كي تعيش. وليس الواقع كما يقال بأن جميعهم من السوريين أو النَور، بل ثمة لبنانيون كثر أصبحوا مشرّدين بين الأزقّة، لا ملجأ ولا مأوى لهم إلا الشارع، ولا مهنة لهم إلا التسّول. على أنه من غير المتوقّع أن تقلّ هذه الحالات في أوضاع كهذه، بل أن تزداد كلما ازدادت الأزمة استفحالاً، وصار وضع اللبناني مثل اللاجئ في بلده، على أمل ألا يتحول كل الشعب اللبناني في هذا العهد إلى متسوّلين.