//Put this in the section

الظروف المحلية – الاقليمية – الدولية غير مؤاتية لبهاء؟

سركيس نعوم – النهار

بدا خلال الأشهر الأخيرة من السنة أن بهاء الحريري لم يكن اتخذ قراراً حاسماً بدخول المعترك السياسي في لبنان سواء الى جانب شقيقه سعد أو في مواجهته. وقد ظهر ذلك في بيان صغير الحجم نشره الاعلام في حينه تضمّن نفياً لبدئه نشاطاً سياسياً في بلاده وربما عدم رغبة في ذلك. لكن وفي أثناء التحركات الشعبية الحاشدة الرافِضة للطبقة السياسية وحكمها وممارساتها وفسادها، والمطالبة بتغييرها والتي بدأت في السابع عشر من تشرين الأول الماضي، أوحت مجموعة صغيرة في حينه أنها على اتصال به. وكانت تلك الإشارة الأولى غير الرسمية وغير الصادرة عنه الى اعداده لدخول الحلبة السياسية. وفي الأيام القليلة الماضية بدا واضحاً أن بهاء اتخذ قراره بدء العمل السياسي من خلال تحرّك جماعة مؤيدة له على الأرض وإن تكن غير معروفة الحجم الشعبي بعد، ومن خلال بيان نسب اليه ونشرته وسائل تواصل اجتماعي. كما من خلال نشر “تيار المستقبل” الذي يترأسه شقيقه “منع” فيه مؤيدين له من منطقة بيروتية مهمة من القيام بتحرّك شعبي مؤيّد له ومتمسّك بقيادته للغالبية السنية ورافض منافسة شقيقه له عليها. والسؤال المهم الذي يُطرح هنا، في حال ثبت وبالملموس بدء بهاء نشاطه السياسي في البلاد هو: كيف ستتعامل الجهات الداخلية والأخرى الخارجية المتنوّعة مع هذا التطوّر؟




خارجياً ظنّ كثيرون أن المملكة العربية السعودية وحلفاءها في الخليج سينظرون بعين العطف الى نزول بهاء الى الساحة السياسية، إذ أنّ علاقتهم مع شقيقه سعد ساءت كثيراً ولأسباب متنوّعة منذ خلافة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز شقيقه الملك الراحل عبدالله واختياره نجله محمد ولياً للعهد. فالرعاية التي كان يحظى بها “الوالد الشهيد”، والتي انتقلت بعده الى خلفه سعد خفّت ثم انتهت لأسباب كثيرة تحدثت عنها كثيراً وسائل الاعلام المتنوعة منذ ذلك الحين. علماً أنها كانت رعاية سياسية ورعاية مالية كانت في مقابلهما حاجة الى كفاءة الوالد ومهاراته وعلاقاته الداخلية والخارجية المتنوعة. وظهر انتهاؤها بسماح الرياض بانفراط شركة أوجيه ثم بالاحتجاز القسري لسعد رئيس الحكومة في الرياض كما بمواقف أخرى. لكن ذلك لا يعني أن الرعايتين ستنتقلان الى شقيقه بهاء لأن سفير المملكة لدى لبنان وليد البخاري زار بيت الوسط وسيده قبل أيام قليلة بعد طول انقطاع أو ربما قطيعة. وكان اللبنانيون ظنّوا أنه غادر لبنان قبل أشهر جرّاء غيابه عن أي نشاط رسمي وعلني. علماً أن ذلك لا يعني عودة الحرارة الى العلاقة بمقدار ما يعني غياب ترحيب بدخول شقيقه معترك السياسية أو إرجاء اتخاذ موقف من هذا الأمر، لأنه لم يُعرف عن الأخير إقامة في المملكة أو العمل فيها. فضلاً عن ان موقف الأخيرة في الانتخابات النيابية الأخيرة بل قبلها بأشهر من سعد أظهر أكثر من مرة عدم استعدادها لدعم منافسيه على الزعامة البيروتية رغم احترامهم لها ولمواقفها وحرصهم على استعادتها دورها اللبناني. وكانت تدعو الجميع الى التفاهم. سبب ذلك على الأرجح كان حرصها على الجمهور السنّي لرفيق الحريري وليس محبة لسعد وقراراً بعودة رعايتها السابقة له. وهذا أمر طبيعي إذ أنها لا تعرف تماماً بهاء الذي يعرفه عرب آخرون، مؤيدون لها والأميركيون أو بعضهم، ولا سيما بعد تأسيسه مركزاً ثقافياً بحثياً لوالده في واشنطن في إطار المركز المعروف “اتلانتيك كاونسيل”. علماً أنهم لا يعرفون لبنان أساساً كما الذين قبلهم. وأميركا الآن منشغلة بأمور أخرى فضلاً عن خشيتها من ما يُشاع، وقد لا يكون صحيحاً، عن “إسلامية” قوية عنده. أما داخلياً فإن احتمال حصول بهاء على دعم داخلي متنوّع ليس بالسهولة التي يتصورها كثيرون. فحريرية الوالد لا تزال طاغية وإن بدا أن سعد الذي ورثها لم يبدد الكثير منها سواء بعد خسارة قسم مهم من الثروة وغياب الدعم المالي السعودي وعدم النجاح في العمل السياسي أو عدم بذله ما يجب من جهد كي ينجح. والعلاقات “الفردية” التي نسجها بهاء مع بعض متعاطي السياسة في السلطة لا تكفي كي يخوض معركة أو بالأحرى منافسة جدّية مع شقيقه. فضلاً عن ان عقلاء السنّة قد ينصحون بتفادي هذه المواجهة لأنها ستقسم “شعبهم” الشاعر أساساً بنوع من الضعف والاستهانة به من “شعوب” أخرى في البلاد. وداخلياً أيضاً فإن “الثنائي الشيعي” لن يتحمس لبهاء. فرئيس “حركة أمل” رئيس مجلس النواب نبيه بري يجد قطعاً سعد أقرب إليه من بهاء. فضلاً عن أن المرحلة الحالية لا تحتمل تغيير قيادات أو بالأحرى إبدالها بأخرى غير معروفة التوجهات على تنوّعها. وهو كان متمسكاً بعودة سعد الى رئاسة الحكومة بعد استقالته في أثناء “الثورة” الشعبية الخريف الماضي. و”حزب الله” بذل جهوداً كبيرة لاقناعه بذلك لكن الظروف لم تساعده. و”حزب الله” صاحب الوزن المتنوّع الأكبر في البلاد كان مرتاحاً مع رئاسة سعد الحكومة وحاول إقناعه بعدم تقديم استقالة حكومته قبل أشهر. والأسباب كثيرة منها “ربط النزاع” بين الاثنين رغم اغتيال الحريري الوالد المتهم به “الحزب” وقرب إصدار المحكمة الخاصة بلبنان حكمها بالقضية. والدافع اليه عند الاثنين كان تنفيس الاحتقان السني – الشيعي والحؤول دون تجدّد العنف في لبنان. لكن مسعاه فشل. وما يعرفه الجميع أن سعد كان راغباً في العودة الى الرئاسة الثالثة رغم الأسماء الكثيرة التي طُرحت بديلاً منه وأبلغ “الحزب” بذلك وشريكته “أمل”. لكن “حزب القوات اللبنانية” حرمه ذلك. إذ قرّر رئيسه سمير جعجع عدم تسمية أحد في الاستشارات الملزمة في قصر بعبدا لاختيار رئيس مكلّف. طبعاً كانت عودة سعد رئيساً مكلفاً ممكنة بأصوات الغالبية النيابية التي يمتلكها “8 آذار” بزعامة “الحزب” وبلغت يومها 69 صوتاً نالها الدكتور حسان دياب. لكنه (أي الحريري) رفض أن يأتي بأكثرية نيابية غير قوية تمثل الفريق الذي “تقاتل” معه وخاصمه ثم أجرى معه ربط نزاع.

طبعاً لا يعني ذلك إقفال الأبواب أمام بهاء ولا إعادة الرصيد والصدقية الى سعد. فحكومة 8 آذار كما يسميها الكثيرون باقية الى أن يسقطها فشل “مدوّ” أو تطور غير محسوب أو تجدد للثورة أو تحوّلها عنفاً وشغباً وفوضى تعيد التوتر الى العلاقات بين شعوب لبنان في ظل انهيار مالي – نقدي – مصرفي – اقتصادي. الا أن ذلك لا يمنع بهاء من الاستمرار في العمل في أوساط شعبية الحريري الوالد استعداداً لمرحلة مقبلة. ولا يمنع أيضاً حلفاء لـ”الحزب” من “تحميس” بهاء لمنافسة شقيقه، فهل دوافعهم مادية أو سياسية متنوّعة؟