//Put this in the section
راجح الخوري

صهاريج المازوت ورؤوس السياسيين! – راجح الخوري – النهار

عندما غادر وفد صندوق النقد الدولي بيروت في نهاية شباط الماضي، كان الذهول وعدم التصديق عنوان الخلاصات المفاجئة، التي خرج بها من المحادثات التي اجراها مع المسؤولين اللبنانيين، فقد بدوا أمامه وكأنهم على غير دراية بقواعد العمل بين الدول التي تطلب عادة المساعدة من الصندوق، وبما هو مطلوب منها اصلاً، وهو ما جعل أحد أعضاء الوفد يقول يومها صراحة: إننا مذهولون فعلاً، فهذه حكومة تطلب مساعدة ولكنها لا تملك خطة او تصوراً لمشاريعها، الى إين تريد ان تذهب المساعدات، وكيف ومتى يمكنها ان تسدد ما سيترتب عليها!

اليوم بعد شهرين تقريباً، تبدأ الجولة الثانية من المفاوضات مع وفد الصندوق الذي وصل امس الى بيروت. طبعاً في خلال هذه الفترة، عكفت الحكومة على وضع تصور وبرنامج، اولاً على قاعدة اللقاء مع سفراء الدول المانحة في السرايا كما هو معروف، وثانياً عبر تنظيم ما سمّاه الرئيس ميشال عون “يوماً تاريخياً” للإعلان عن خطة إنقاذية للوضع المفلس في البلد، ثم كان ذلك اللقاء الوطني في بعبدا الذي تغيبت عنه قوى سياسية أساسية في البلد، وكان من الواضح ان الهدف منه الإيحاء بوجود اجماع وطني على الخطة، وضمناً تحميل الجميع مسؤولية ما ستؤول اليه هذه الخطة.




لكن المفاجأة المهمة جاءت من مناقشات لجنة المال والموازنة التي عُقدت بالتوازي، ووضعت ملاحظات حيوية ومهمة على بعض بنود وأبواب الخطة التي تفتقر الى أي سند قانوني، وأكثر من هذا تلك التي تتعارض مع روح النظام الاقتصادي الحر الذي يتّبعه لبنان وخصوصاً لجهة حق الملكية الفردية. كان الأمر غريباً ومفاجئاً فعلاً، ولكأن الذين وضعوا الخطة وأوحوا لعون انها خطة تاريخية فعلاً، ليسوا على دراية لا بطبيعة النظام اللبناني ولا بأهمية حق الملكية في جوهر القانون، وهو ما جعل البعض يعلّق ساخراً ولكأن هناك محاولة لتغيير النظام اللبناني والذهاب نحو أنظمة فاشلة او بائدة تفرض وصاية الدولة على الدورة الإقتصادية! ربما وجد البعض في هذا الكلام نوعاً من المبالغة، لكن الأهم من كل هذا هو كيف يمكن لبنان ان يحارب الفساد، عندما يقف رئيس حكومته ليبشّر بالخطة الانقاذية، مستهلاً كلامه بالقول إن “الفساد هو الدولة”، وكاد أي سفير من الحضور ان يقول رداً على هذا:

دولة الرئيس، إذاً لماذا لا تهدموا هذه الدولة للخلاص من الفساد؟! ولكن التهذيب الديبلوماسي طبعاً يمنع ذلك، مع ان الشعب اللبناني الذي ثار منذ 17 تشرين الأول وسيعود حتماً الى الثورة بكورونا ومن دون كورونا بسبب الجوع الضارب، يقول مثل هذه الكلام منذ زمن، لا بل إنه يدعو الى هدم الدولة على رؤوس مَن أفسدوها. في أي حال، وفد الصندوق الدولي الذي سيفاوض الحكومة هو على بيّنة كاملة من الأوضاع السيئة والفساد الذي ينخر فيها، ولسوء الحظ او حسن الحظ ان تتفجر قصة الفيول المغشوش ثم قصة تهريب المازوت والبنزين والغاز والطحين من لبنان الى سوريا على هذا النحو الفاضح، عشية بدء المفاوضات، وخصوصاً ان المبالغ التي يتكبدها المصرف المركزي لدعم هذه المواد الإستهلاكية إنما تذهب من أموال المودعين لا من أموال الدولة السائبة تماماً. لست أدري كيف ستدور المفاوضات مع وفد الصندوق الدولي، وكيف يمكن إقناعه بأن يضخ مليارات من الدولارات الى دولة مليئة بالثقوب السود، ودائماً كما وصفها جيداً حسان دياب، وخصوصاً عندما تكون روائح الفيول والمازوت تزكم الأنوف وليس من مسؤول فاسد يقف وراء القضبان أو يلقيه الشعب في مستوعبات النفايات التي تتراكم في الشوارع مجدداً!