//Put this in the section

مع صندوق النقد، لا عودة الى الوراء؟

سابين عويس – النهار

سمى لبنان وفده الذي سيتولى التفاوض الرسمي مع صندوق النقد الدولي، وقد ضم في عداده الى ممثلي المؤسسات المعنية اي وزارة المال والمصرف المركزي، مستشارين من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، حتى يكون التفاوض محكماً، ومحكوماً في الوقت عينه بالسقف “الاصلاحي” الذي أقرته خطة التعافي، وبالسقف السياسي الذي دفع المتوجسين والمعارضين مثل “حزب الله” الى القبول بالدخول في برنامج مع المؤسسة الدولية.




هكذا، نزعت الحكومة ومن وراءها، صفة الشيطنة عن الصندوق، بعدما بات بطاقة العبور الآمن السلطة من الانهيار المحتم الى التعافي، وان عبر مسار طويل وشاق محفوف بالتحديات والاستحقاقات.

عبر الانترنت، تبدأ جولة أولى من المفاوضات، انطلاقاً من الخطة التي اقرتها الحكومة بالتنسيق مع خبراء الصندوق، تمهيداً لتبين أوجه التعاون من اجل الوصول الى قواعد مشتركة للاتفاق على البرنامج الذي على اساسه سيحصل لبنان على الدعم المالي الدولي، وسط مناخ سياسي غير ملائم بفعل تفكك حكومي واضح بين حلفاء الفريق الواحد الحاكم، وغموض حيال المقاربة الاقتصادية لكل فريق من هؤلاء، بحيث تختلف أجنداتهم السياسية والاقتصادية والمالية، ولا يجمع بينها الا تحميل المسؤوليات للحريرية السياسية والاقتصادية.

لم يكن الدخول في برنامج مع الصندوق اختيارياً للسلطة، بل قسراً في ظل عاملين أساسيين، اولهما الانهيار الاقتصادي والمالي في البلاد الذي بات يهدد بسقوط الحكم، ولو بعد حين، وثانيهما، وربما الأهم، ان كل لقاءات ومشاورات أهل السلطة مع السفراء الأجانب ولا سيما في دول القرار، خلصت الى نصيحة واحدة لا ثانية لها: خطة اقتصادية اصلاحية تقود الى برنامج مع صندوق النقد، وبالتالي لم يكن امام السلطة الا سلوك هذا الطريق.

يدور النقاش حالياً على مختلف المستويات حول الشروط التي سيفرضها الصندوق على لبنان، في الجانب التقني أولاً ومن ثم وفي مرحلة لاحقة الجانب السياسي عندما يبلغ البرنامج طاولة مجلس المديرين. وتتفاوت الآراء حول تلك الشروط خصوصاً وان لبنان تقدم في خطته بغالبية تلك الشروط، وحتى انه ذهب ابعد، ان على مستوى تحرير سعر الصرف، او رفع تعرفة الكهرباء وإصلاح القطاع، او على مستوى خفض النفقات وزيادة الإيرادات عبر فرض ضرائب جديدة ولا سيما الضريبة على القيمة المُضافة على الكماليات، او عبر اعادة النظر بحجم القطاع العام والأسلاك العسكرية.

لكن المشكلة الاساسية التي تكمن في المفاوضات المرتقبة مع الصندوق انها تنطلق من نقطتي وهن يصيبان المفاوض اللبناني:

ان الحكومة لم تظهر بعد اي قدرة على الالتزام بالإجراءات الإصلاحية التي اقترحتها، مما يزيد شكوك الصندوق والدول الداعمة حيال القدرة على تنفيذ مندرجات الخطة، ولا سيما في مجالات مكافحة الهدر والفساد وضبط الحدود ووقف التهرب الجمركي والضريبي، فضلا عن الاجراءات المتصلة بالقطاع العام، والتي تشكل في كل بند منها مشروع ازمة ومواجهة. وقد بدأت الأصوات الشعبوية ترتفع في وجه المس بالقطاع العام.

ان لا اجماع وطنياً على بنود الخطة وعلى مقارباتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وفي حين يتعامل الصندوق مع الحكومة كمرجعية رسمية في التفاوض وتنفيذ البرنامج، الا انه لا يسقط بالضرورة، الآراء الاخرى المعترضة، او موقف المجلس النيابي، وذلك آخذاً في الاعتبار القدرة والقابلية على التنفيذ واللتين تحتاجان الى وجود توافق وطني.

الاكيد ان لبنان ما بعد صندوق النقد لن يكون كما قبله، هل نحو الاحسن او الأسوأ، يبقى الجواب رهن البرنامج ومندرجاتها من جهة، ورهن مدى التزام البلد تنفيذ الاصلاحات المطلوبة منه من جهة ثانية، ولكن في كلا الحالين، بعد الصندوق، لا عودة الى الوراء!