//Put this in the section

شوائب عديدة في الدفعة الثانية من عودة المغتربين… لكن من المسؤول؟

أثارت الدفعة الثانية من رحلات المغتربين العائدة إلى لبنان موجة من الانتقادات والاتهامات خلال الأيام الأخيرة. بدأت الجهات المعنية تلقي الاتهامات كلّ واحدة على الأخرى. بدا التهاون واضحاً هذه المرة وفي نواحٍ عدة سواء من حيث عدم احترام مبدأ التباعد في داخل الطائرة أو لوجود أعداد زائدة من المسافرين بعكس ما حصل مع الدفعة الأولى حيث كان العدد محدداً وتم احترامه فجلس الركاب بشكل يضمن التباعد بينهم. تضاف إلى ذلك التساؤلات حول متابعة وزارة الصحة للمغتربين بعد ظهور نتائج فحوصهم هذه المرة، وذلك بعد أن تبين أن نسبة معينة من المغتربين لم تحترم شروط الحجر ومنهم من استقبل المهنئين بالعودة ما تسبب بظهور إصابات عدة في المحيط. فعلى من يقع اللوم فعلياً ومن يتحمّل مسؤولية الاستهتار الحاصل؟

من اللحظة الأولى التي انتشر فيها فيروس كورونا، بدا واضحاً أن مسؤولية مواجهته لا تقع على طرف دون آخر بل هي مسؤولية مجتمع بكامله يتحملها في كل سلوك أو تصرف. وبعد الضجة التي أثيرت في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام حول التهاون الذي حصل في الدفعة الثانية من رحلات المغتربين، كانت وزارة الصحة من الجهات التي استهدفت حيث اتهمها البعض بالتساهل وعدم المتابعة بجدية.




رداً على هذه الضجة التي أثيرت حول الموضوع، أكدّ مدير وزارة الصحة الدكتور وليد عمار لـ”النهار” أن “الوزارة ستصدر بياناً توضح فيه كافة المعطيات كما أن المتابعة تمت مع هذه الدفعة مثل الدفعة الأولى بشكل يومي مع المغتربين بالاتصال بهم فلم يحصل أي استخفاف”. لكنه لا ينفي في الوقت نفسه أنه كان هناك تهاون واضح من الناس الذين لم يلتزموا بإجراءات الحجر المنزلي، فـ”نحن نعمل ليل نهار ويتوافر اليوم العمل التطوعي وقد زادت إمكاناتنا عن السابق، ولم يحصل اي تغيير في طريقة تعاطينا مع المغتربين القادمين إلى لبنان في هذه الدفعة. إلا أن الالتزام كان مطلوباً وضرورياً فيما طلبت منا المتابعة اليومية. لكن ثمة أموراً تخرج عن إطار مسؤولياتنا وثمة جهات أخرى معنية”.

أما بالنسبة إلى عدد الركاب الذي كان زائداً على متن الطائرة ولم تؤخذ بعين الاعتبار توصيات التباعد بينهم، فيشير إلى أن “توصيات الوزارة كانت من البداية بضرورة الحفاظ على مسافات آمنة بين الركاب وهذا ما حصل مع رحلات الدفعة الاولى. أما ما نفذ مع هذه الدفعة فليس من مسؤولية الوزارة، بحسب قوله. كما أضاف موضحاً عن الحالات التي كانت نتيجة الفحوص الخاصة بها إيجابية “نحن نرافق المسافرين من الناحية الطبية ونجري الفحوص ونتابعهم. لكن نحن لا ننكر أنه كان بين المغتربين مصابون ونحن نعلن عن ذلك”.

ويوضح عمّار أن “ثمة معطيات قد تغيّرت مع هذه الدفعة وحصل تغيير لم يكن من ضمن توصيات الوزارة وما كان يجب أن يحصل”، على حد قوله، لكنه حصل وإن لم تكن المسؤولية تقع هنا على الوزارة.

بين المصلحة التجارية والسلامة العامة

مما لا شك فيه أن بعض المغتربين القادمين إلى لبنان يتحمّلون مسؤولية كبرى هنا في مدى حرصهم على الالتزام بالإجراءات المطلوبة للحجر المنزلي على إثر خضوعهم إلى فحص كورونا. فأي استخفاف أو خطأ يكلّف البلد المثقل بالهموم غالياً. فهل يعقل أن يعود البلد إلى نقطة السفر بسبب استهتار البعض؟ لكن في الوقت نفسه ليس المواطنون أو المغتربون وحدهم مسؤولين وإن كانوا يحملون جزءاً من المسؤولية. فثمة أطراف اخرى موكلة بالتنظيم ومنها بالمراقبة والتحقق بالالتزام، إضافة إلى من كان مسؤولاً بالدرجة الأولى عن الاستهتار الحاصل هذه المرة بسلامة الركاب على متن الطائرة حيث غلبت المصلحة التجارية على سلامة المسافرين الذين دفعوا مبالغ خيالية في مقابل حصولهم على اسعار التذاكر للعودة إلى بلادهم بعد طول انتظار واعتبروا ذلك كلفة الحفاظ على سلامتهم وضمان الحفاظ على مسافة آمنة بينهم، ففوجئوا بعدم احترام هذا المبدأ وبأن الطائرة ممتلئة بالركاب.

بحسب رئيسة مركز الشرق الأوسط لبحوث الطيران نادين عيتاني ثمة أنظمة وتوصيات تحدد كيفية توزيع الركاب في الطائرة سواء في حالات الإجلاء او غيرها، بشكل يضمن سلامتهم في مختلف مراحل السفر في الطائرة وفي المطار. “لهذا المسار تحديداً توصيات من المنظمات الدولية للطيران المدني التي تحدد طرق التعامل مع المسافرين ولا بد من الالتزام بها. ومن بين التوصيات الحفاظ على قاعدة التباعد بين الركاب، ما يبرر زيادة أسعار التذاكر التي تحتسب بطريقة معينة وبنسبة محددة. وبالتالي يبرر مبدأ الحفاظ على سلامة الركاب وتقليل العدد في الطائرة ارتفاعاً معيناً في الأسعار”.

أما عندما تكون الطائرة ممتلئة بالركاب كما حصل، بنسبة 90 في المئة منها، فلا يعود هذا الارتفاع في الأسعار مبرراً. كما أنه من حق المسافر أن يعرف ما إذا كان سيتم الحفاظ على سلامته في الطائرة باحترام المعايير اللازمة، خصوصاً إذا كان يدفع هذا الثمن لقاء حصوله على التذكرة. فهل يجوز أن يفاجأ بهذا الوضع في الطائرة حيث لم يتم احترام قاعدة التباعد”؟ تؤكد عيتاني أنه “لم يتم التعاطي بشفافية في هذه الرحلة رغم أن هذا يعتبر شرطاً اساسياً للعقد ما بين المسافر وشركة الطيران”.

وتشير إلى غياب الجهات الرقابية التي يفترض بها أن تكون حاضرة وفاعلة في مثل هذه الظروف فتشرف على تنفيذ كافة الشروط التفاصيل كما يجب، “على وزارة الاقتصاد أن تتدخل أمام هذا الارتفاع الكبير في الأسعار كذلك ثمة مسؤولية على الطيران المدني فكلاهما مسؤول في هذه الناحية. في مثل هذه الظروف ثمة عنصران أساسيان المصلحة التجارية والسلامة العامة وكل يختار معدل التوازن بينهما أو ترجيح كفة أحدهما على الآخر فيما بدا واضحاً أنه ثمة ترجيح للمصلحة التجارية على سلامة المسافرين بغياب الرقابة الفاعلة”.

من جهتها، تبرر وزارة الاقتصاد بشخص المدير العام موسى كريّم عدم تدخلّها في ما يتعلّق بأسعار التذاكر المرتفعة وبأنها تتدخل بالشكاوى المقدمة ضد شركات الطيران عامةً في ما يتعلق بالأسعار مثلاً بهدف المعالجة وقد حصل ذلك سابقاً في مرات عديدة، لكن تستثنى من ذلك شركة طيران الشرق الأوسط بحسب القرار المتخذ وهي من مسؤوليات وزارة الاشغال العامة التي يخضعون لها. كما اضاف أنه لا يمكن أن تتخطى وزارة الاقتصاد صلاحياتها فتعتبر أيضاً الهيئة العامة للطيران المدني مسؤولة عن أسعار تذاكر السفر.

من المسؤول فعلاً؟

فيما يستمر تبادل الاتهامات، كما في أية مشكلة تتم مواجهتها في لبنان، يبقى المواطن حائراً حول الجهة التي تتحمل مسؤولية ما يحصل، فيما تبقى النتيجة نفسها بالوقوع في أخطاء تُغرق البلد والمواطنين في المزيد من الأزمات. ففي ما يتعلق بالدفعة الثانية من الرحلات ثمة نقاط عدة طرحت التسؤلات حولها بدءاً من أسعار التذاكر إلى شروط السفر وعدم احترام قاعدة التباعد في الطائرة وعدم متابعة المغتربين العائدين والتأكد من التزامهم بشروط الحجر المنزلي، إضافةً طبعاً إلى عدم التزام المغترب نفسه لدى عودته إذ لا يمكن أن ننكر أن ثمة مسؤولية كبرى تقع أيضاً على المواطن في مواجهة كورونا. ويبقى التزامه شرطاً اساسياً من شروط الخروج من هذه المحنة بينما يظهر استهتار واضح بين المواطنين. وبالتالي يقع على كل جهة جزء من المسؤولية والمطلوب في المرحلة المقبلة واحد، وهو تحمّل كل فرد مسؤولياته كاملة لإنقاذ البلاد.

المصدر: النهار