//Put this in the section

فرنجية يصعد في وجه التيار و”الحزب” فهل ينجح في المغامرة؟

ابراهيم بيرم – النهار

منذ زمن ليس بالقصير، غاب عن السمع الرموز السياسيون المحسوبون على رئيس تيار “المرده” سليمان فرنجية، والذين اعتادوا الظهور على الشاشات والتعبير عن توجهات زعيم بنشعي وآرائه، واعتادوا أيضا التواصل مع الصحافيين “الورقيين”. وقد افتقدوا من كواليس بيروت ومقاهيها التي ترتادها عادة النخبة السياسية والاعلامية.




وعليه، استقر في خاطر الاعلاميين الراصدين مقولة فحواها أن سليل الزعامة الزغرتاوية الاساسية قد قرر قطع خيوط علاقته بالخارج، والعودة إلى لعبة “موارنة الأطراف” وهي التوحد، استعدادا لمنازلة من أدرجهم مدرج الخصوم، ويشرع في “المواجهة مهما كان الثمن”، وبصرف النظر عما تكون النتائج.

وانطلاقا من ذلك، صار يشق جدا على الصحافيين الوقوف على كنه ما يريده فرنجية وما يصبو إليه في العمق، إلى أي مقام يريد أن يبلغ.

الاستنتاج الثابت، والذي تعزز في الساعات القليلة الماضية، أن فرنجية ماض قدما في المعركة التي بدأها في مواجهة “التيار الوطني الحر” وبيئته حتى النهاية، وان تخطى توجه المخاشنة هذا حدود الخطوط الحمر.

وقد تجلى ذلك في محطتين أخيرتين أحدهما اسباغه الحماية على مطلوب للمثول أمام القضاء بتهمة عميمة، (سركيس حليس) والامتناع عن تسليمه تحت ذريعة أنه لا يثق بالمدعية العامة المعنية (القاضي غادة عون)، وقبلها ما انطوى عليه غيابه الذي حاول أن يبرر فيه امتناعه عن المشاركة في اللقاء الوطني الجامع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون رؤساء الكتل النيابية لأداء ملاحظاتهم على ورقة الاصلاح المالي والاقتصادي التي أعدتها الحكومة في سياق تعهدها للبحث عن سبل الخروج من نفق الأزمة العاصفة والضاربة نفسها منذ فترة والتعافي من الجائحة المالية والاجتماعية.

إنها إذن مقدمة لنهج قرره فرنجية عنوانه العريض: لا عودة إلى الوراء، لا تهدئة مع العهد وحاضنته السياسية “التيار البرتقالي”، اتكاء على سياسة المشاغبة الدائمة والمخاشنة المستمرة تحديا للتيار، وتوهينا للعهد الرئاسي.

جريا على العادة لم يغادر التيار البرتقالي موقفه الثابت مذ قرر فرنجية الخروج من تكتله النيابي، وإبطال التفاهم السياسي معه والذي استمر لأكثر من 4 سنوات، وهو عدم النزول إلى ساح التساجل اليومي معه، والاكتفاء برد محدود اذا اقتضت الحاجة، ليس خوفا ولا خشية، بل انطلاقا من قاعدة أن لا جدوى ولا مصلحة للتيار بهكذا “حرب صغيرة” مكشوفة الميدان ومعروفة المقاصد والأهداف.

“حزب الله” لا ينكر أنه يجد نفسه معنيا مباشرة بالأمر، بل أنه يعتبر ضمنا أن جانبا من “هجمة حليفه القديم فرنجية، موجه إليه حصرا، وهو يعي أبعادها وكنهها، لذا فهو أيضا يعتصم بالصمت حيال الواقعة، فيما تنكر الاوساط المعنية أن يكون الحزب في صدد دور وساطي يخفف من حدة التشنج الحاصل بين حليفيه المسيحيين، لاعتبارين اساسيين، أنه حاول سابقا ولم يجد ما يشجع على المضي قدما، فضلا عن أن جزءا من المواجهة الحاصلة تحتاج إلى إجابات واضحة ومحددة منه على تساؤلات موجهة إليه من الطرفين معا.

وهذا يعيد الاعتبار إلى جو نهج الاعتراض الدائم الذي يمارسه جهارا فرنجية في صدارة المشهد السياسي، إذ أن ثمة في أوساط المحور الذي يفترض أن يكون فرنجية واسطة عقده من صار يقيم على قناعة فحواها، أن فرنجية يجد الآن وليس غدا، فرصته الذهبية ولحظته المناسبة لضمان بلوغه المنصب الأعلى.

لماذا اللحظة مواتية؟ لاعتبارات عدة أبرزها:

– أنه يستشعر أن معركة الرئاسة الأولى قد اقترب أوانها، ودخلت في حيزها الزمني المعقول (قبل سنتين) وفق العادة.

– إن فرص منافسه الجدّي وهو الوزير جبران باسيل قد تضاءلت كثيرا اثر تطورات ما بعد انطلاق حراك 17 تشرين الأول المنصرم.

– فضلا عن أن الانهيارات المالية والنقدية قد قللت أيضا فرص حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

– بقي منافس آخر جدّي، وهو قائد الجيش جوزاف عون، وخريطة طريق هذا الرجل إلى قصر بعبدا محفوفة بالحسابات الدقيقة والصعبة.

– في حين أن سمير جعجع يظل مرشحا غير جدي.

– ولأن حسابات فرنجية تدفعه إلى الاعتقاد بأن من داعمي معركته اقوياء وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري وإلى حد بعيد الرئيس سعد الحريري في حين أنه يعرف أن جنبلاط إذا ما خير بينه وبين باسيل، فلن يتردد عن اختياره هو.

وعليه يبقى أمامه أمر أساسي، وهو “كلمة شرف” من “حزب الله”، وهي الكلمة التي لم يسمعها أخيرا منه، كما لم يسمعها في آخر لقاء جمعه والأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله عندما وفد إليه مناقشا أمر اعتراض الحزب على أن يكون هو رئيسا عندما سماه الرئيس الحريري مرشحه لهذا المنصب، قبل أن يعزف ويدخل في عباءة “التفاهم الرئاسي” مع عون وباسيل.

“طحشة” فرنجية الشرسة في هذه اللحظة ذات هدفين:

– طلب غير مباشر من الحزب لينال الوعد.

– الرد على ما يعتقد أنه هجمة عليه لإخراجه من فتح الخصوم لقضية حليس بغية احراجه، ومحاصرة جماعته، مستغلا بطبيعة حال عدم الاتزان في المشهد العام في لبنان، والارتباك البادي على سلوك الحكومة.

ويبقى السؤال هل ينجح فرنجية في هذا الخضم ان يسترد ما يعتقد أنه كان قد صار إليه في السابق وأخذ منه على حين غرة؟

أنه أمر دونه عقبات وأهوال ولكنه في نهاية المطاف يروم ملكا أي يبغي أمرا جللا يستحق المغامرة.