//Put this in the section

”المستقبل” والسنّة بين سعد وبهاء

سركيس نعوم – النهار

واجه الرئيس سعد الحريري تحديات كثيرة منذ استقالته وحكومته بعد “ثورة” الشعب اللبناني ضد الفساد والجوع وغياب الدولة بل توزعها حصصاً ليس على الطوائف والمذاهب لأن ذلك جزءٌ من نظامها ودستورها وقوانينها، بل على القادة الفاعلين فيها من أحزاب وسياسيين ورجال دين الذين استغلوها لإشباع شهوة السلطة لديهم كما جوعهم الى المال الحرام رغم تبييضه بوسائل متنوّعة في الداخل والخارج. التحدي الأحدث هو انتقال شقيقه من والده ووالدته بهاء من عدم الاهتمام بلبنان وأوضاعه وحال “شعوبه” ولا سيما الشعب السنّي الذي استقطبه الى جانب قطاعات مهمة من الشعوب الأخرى والده الرئيس الراحل رفيق الحريري، والذي عانى مثل اللبنانيين الآخرين وأحياناً أكثر منهم الحرمان والفقر وعدم الاهتمام، ومن عدم الطموح الى لعب دور سياسي في بلاده بعد الصدمة التي تلقاها بحرمانه خلافة والده بعد استشهاده وتسمية شقيقه الأصغر منه سعد لهذه المهمة بعد نحو 24 ساعة أو أقل من إعلانه خلفاً له، انتقاله الى الاهتمام بالبلاد وأوضاعها بعد دخول الدولة مرحلة الفشل أو التعطل وانهيار سعر العملة الوطنية ووقوف المصارف على عتبة الافلاس بعد افتقارها الى السيولة وخسارة مصرف لبنان سمعته الجيدة في الداخل والخارج وقدرته على متابعة دوره “الايجابي” السابق وتحميل اللبنانيين له وغالبية قادتهم حاكمه رياض سلامة مسؤولية ذلك وإن بالاشتراك مع أقطاب السياسة والفساد المعروفين جداً من الناس. طبعاً بدأ ذلك منذ سنة أو أكثر تقريباً بعدما ظهرت بوادر الخلافات داخل “تيار المستقبل” ومؤيّديه وبين زعيمه سعد والمدير العام السابق للأمن الداخلي أشرف ريفي الذي كان اختاره وزيراً للعدل. كما بين سعد والمستشار الاعلامي السابق للراحل رفيق الحريري أي نهاد المشنوق وخصوصاً بعدما دخل العمل السياسي تحت عباءته نائباً مرتين ووزيراً مرتين أيضاً. والاثنان “ليسا هيّنين” كما يُقال في العامية. فريفي اختلف معه على أمور عدة وزايد عليه وعلى “المستقبل” في قضايا متنوعة كان منها رفضه وهو وزير عدل الحكم القضائي المخفّف على النائب والوزير السابق ميشال سماحة حليف سوريا الأسديْن ثم “حزب الله”. وكان منها أيضاً عدم استحسانه “ربط النزاع” الذي قام به سعد مع “حزب الله” حرصاً على لبنان في نظره، وإشباعاً لشهوة السلطة ومكاسبها المتنوّعة في نظر ريفي. فضلاً عن أن بدء خسارة سعد عطف المملكة العربية السعودية عليه ودعمها السياسي والمالي له فتح الباب أمام ريفي كي يُصبح مقبولاً منها ومن غيرها كما من الشارع السنّي عموماً رغم استمرار ولاء قسم مهم منه للحريرية وزعيمها المؤسّس. أما المشنوق فقد بردت علاقته بالحريري الإبن والزعيم تدريجاً في السنوات الأربع التي غاب فيها الأخير عن لبنان في المملكة بعد خروجه من الحكم بتواطئ معروف عليه من داخل ومن خارج، إذ أزعج ذلك مؤيّديه وكانوا في أمسّ الحاجة إليه وحلفائه ومعهم الدول الكبرى التي ساندته واعتبرت غيابه مؤذياً ليس له فقط بل للبنان وقضيته، والتي رفضت المبرّر الذي استعمله مباشرة ومداورة لغيابه عن البلاد وهو خطر القتل المحدق به بقوة. كان رأي الجميع أن عودته ضرورية وأن حمايته يمكن توفيرها بإقامته في منزله “بيت الوسط” أو في ملجأ حصين جداً تحته وبعدم تنقله. وبذلك يبقى على اتصال وتواصل عن بعد وعن قرب في آن واحد مع جمهوره وشعبه كما مع حلفائه المتنوّعين أعطى هؤلاء في حينه مثلاً يمكن أن يقتضي به الحريري في بيروت هو سمير جعجع رئيس “حزب القوات اللبنانية” الذي يمضي غالبية وقته في مقره “معراب”، ولا يُكثر من لقاءاته خارجه، كما الذي نزل تحت الأرض عندما تعرّض على حدّ قوله الى محاولة اغتيال برصاصتين في أثناء “تمشيه” في حديقته. في فترة الغياب الطويل هذا نجح المشنوق لصفات فيه منها الإقدام والشجاعة وطلاقة اللسان، ولا يشمل ذلك تصرفه الوزاري في الحكومتين اللتين مثّل فيهما “المستقبل” والحريري والذي يضع أخصامه وآخرون علامات استفهام عليه. وأقام مثل “زعيمه” سعد “ربط نزاع” مع العدو الداخلي أي “حزب الله”، ونما طموحه الى رئاسة الحكومة كما الى دور سنّي – وطني واسع. أثار ذلك طبعاً زعيم “المستقبل” فشابت علاقته به برودة واضحة بعد عودة الحريري من النفي الطوعي. واعتبر كثيرون من العارفين أنه لم يفعل ما كان عليه أن يفعله لتأمين فوز المشنوق في الانتخابات النيابية الأخيرة رغم ترشحه فيها على لائحته وفوزه وإن بأكثرية ضعيفة. في هذا المجال لا بد من الإشارة الى أن العلاقة مع الأقرب من المستشارين الحاليين للرئيس الشهيد فؤاد السنيورة وهو كان صديقاً له قبل اغترابه الى السعودية ونجاحه المذهل فيها، ورفيقاً في “حركة القوميين العرب” شهدت برودة متدرّجة كانت نتيجتها عدم ترشيحه للنيابة في صيدا الى جانب عمة سعد السيدة بهية الحريري كالعادة في الانتخابات الأخيرة. لكن سبق ذلك حلول الفتور في العلاقة بين الرجلين “الرئيسين”. فالسنيورة كان في رأي “المستقبل” وأنصاره ناجحاً كرئيس حكومة وكرجل دولة عندما شنّت إسرائيل حرب تموز عام 2006 على “حزب الله” ومعه لبنان، رغم أن رأي الحزب وحلفائه كان معاكساً أو مناقضاً. وربما يكون وصل بعد ممارسة الحريري السياسة خلفاً لوالده ثم رئيس حكومة فزعيماً لغالبية السنّة الى اقتناع بعدم امتلاكه ما يحتاج إليه للنجاح، وهو لم ينجح. ربما أيضاً وصل الى اقتناع آخر بأنه أكثر أحقية برئاسة الحكومة وربما بزعامة “المستقبل” منه. طبعاً للسنيورة مثل كل البشر حسنات وسيئات علماً أن أعداءه يتهمونه بارتكابات كبيرة سياسية وغير سياسية. لكنه بقي وفياً للحريرية السياسية التي أرساها “الوالد”، وبرهن على ذلك بعد إزاحته عن رئاسة التكتل النيابي لـ”المستقبل” رسمياً بحجة أنه لم يعد نائباً. إذ تمسّك بسياسات التيار واشترك مع سعد في مواقف واحدة وسياسة واحدة في “التكتل الجديد” غير الرسمي لرؤساء الحكومات السابقين.




هل يفتح ذلك كلّه الباب عريضاً أمام دخول بهاء الحريري شقيق سعد المعترك السياسي في لبنان؟ وهل ينجح في إقناع جمهوره أو بالأحرى جمهور والده الشهيد بزعامته له لأن شقيقه لم ينجح في تكوين جمهور خاص به كما لأنه ولأسباب عدّة مسؤول عن غالبيتها خسر ومعه “المستقبل” قسماً مهماً من جمهور الوالد الذي شكّلت الغالبية السنّية عموده الفقري؟